ومنها: جوازُ بل استحبابُ حنثِ الحالف في يمينه إذا رأى غيرها خيرًا منها، فيكفر عن يمينه ويفعل الذي هو خير، وإن شاء قدَّم الكفارة على الحنث وإن شاء أخرها. وقد روي حديث أبي موسى هذا: «إلا أتيت الذي هو خير وتحلَّلتُها»، وفي لفظ: «إلا كفَّرتُ عن يميني وأتيت الذي هو خير»، وفي لفظ: «إلا أتيت الذي هو خير وكفرتُ عن يميني»؛ وكل هذه الألفاظ في «الصحيحين»١، وهي تقتضي عدم الترتيب.
وفي «السنن»٢ من حديث عبد الرحمن بن سمرة عن النبي ﷺ: «إذا حلفتَ على يمين فرأيتَ غيرها خيرًا منها فكفِّرْ عن يمينك ثم ائت الذي هو خير»، وأصله في «الصحيحين».
فذهب أحمد ومالك والشافعي إلى جواز تقديم الكفارة على الحنث، واستثنى الشافعي التكفير بالصوم فقال: لا يجوز تقديمه، ومنع أبو حنيفة تقديم الكفارة مطلقًا٣.
فصل
ومنها: انعقاد اليمين في حال الغضب إذا لم يُخرج بصاحبه إلى حدٍّ لا
(١) الأول عند البخاري (٣١٣٣، ٥٥١٨، ٦٦٤٩، ٦٦٨٠، ٦٧٢١) ومسلم (١٦٤٩/ ٩)، والثاني عند البخاري (٦٦٢٣، ٦٧١٨) ومسلم (١٦٤٩/ ٧)، والثالث عند البخاري (٦٦٢٣، ٦٧١٩) على شك الراوي بينه وبين اللفظ الثاني.
(٢) لأبي داود (٣٢٧٨)، وأخرجه البخاري (٦٦٢٢) ومسلم (١٦٥٢) بنحوه.
يَعلم معه ما يقول، وكذلك ينفذ حكمه وتصحُّ عقوده، فلو بلغ به الغضب إلى حدِّ الإغلاق لم تنعقد يمينه ولا طلاقه. قال أحمد في رواية حنبل١ في حديث عائشة: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا طلاق ولا عتاق في إغلاق»٢: يريد الغضب.
فصل
ومنها: قوله: «ما أنا حملتكم ولكن الله حملكم» قد يتعلق به الجبري، ولا متعلَّق له به، وإنما هذا مثل قوله: «واللهِ لا أعطي أحدًا شيئًا ولا أمنع وإنما أنا قاسمٌ أَضَع حيث أُمرت»٣، فإنه عبد الله ورسوله؛ إنما يتصرف بالأمر، فإذا أمره ربُّه بشيء نفَّذه، فالله هو المعطي والمانع والحامل، والرسولُ منفِّذٌ لما أمر به.
وأما قوله تعالى: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾[الأنفال: ١٧]، فالمراد به القبضة من الحصا٤ التي رمى بها وجوه المشركين فوصلت إلى عيون جميعهم، فأثبت سبحانه له الرمي باعتبار النبذ والإلقاء فإنه فعله، ونفاه عنه باعتبار الإيصال إلى جميع المشركين، وهذا فعل الرب تعالى لا تصل
(١) نقلها أبو بكر غلام الخلال في «زاد المسافر» (٣/ ٢٧٣) وفي «الشافي»، كما في «أعلام الموقعين» للمؤلف (٢/ ٥٠٧).
(٢) أخرجه أحمد (٢٦٣٦٠) وأبو داود (٢١٩٣) وابن ماجه (٢٠٤٦) والحاكم (٢/ ١٩٨) من حديث عائشة بإسناد ضعيف، وقد تعقّب الذهبي على الحاكم تصحيحه. وانظر: «البدر المنير» (٨/ ٨٤) و«أنيس الساري» (٤٤٣٣).