وفي البخاري١: أن النبي ﷺ سأل عن رجل فقال: «من هذا؟» قالوا: فلان دُفن البارحة، فصلى عليه.
فإن قيل: فما تصنعون بما رواه مسلم في «صحيحه»٢ أن النبي ﷺ خطب يومًا فذكر رجلًا من أصحابه قُبض فكُفِن في كفنٍ غير طائل ودُفِن ليلًا، فزجر النبي ﷺ أن يُقبَر الرجل بالليل٣ إلا أن يُضطرَّ إنسان إلى ذلك. قال الإمام أحمد٤: إليه أذهب.
قيل: نقول بالحديثين بحمد الله ولا نردُّ أحدهما بالآخر، فنكره الدفن بالليل بل نزجر عنه إلا لضرورةٍ أو مصلحةٍ راجحةٍ، كميت مات مع المسافرين بالليل ويتضررون بالإقامة به إلى النهار، وكما إذا خيف على الميت الانفجار، ونحوِ ذلك من الأسباب المرجحة للدفن ليلًا. وبالله التوفيق٥.
فصل
ومنها: أن الإمام إذا بعث سريةً فغنمت غنيمةً أو أسرت أسيرًا أو فتحت حصنًا، كان ما حصل من ذلك= لها بعد تخميسه، فإن النبي ﷺ قسم ما
(١) برقم (١٣٤٠) من حديث ابن عباس، وهو عند مسلم (٩٥٤) أيضًا.
(٢) برقم (٩٤٣)، والمؤلف صادر عن «المغني» (٣/ ٥٠٣).
(٣) زِيد في المطبوع بعده: «حتى يصلَّى عليه» ــ وليس في الأصول ــ نقلًا من «صحيح مسلم».
(٤) كما في «المغني» (٣/ ٥٠٣).
(٥) وانظر: «تهذيب السنن» للمؤلف (٢/ ٣٥٦ - ٣٥٩).
صالح عليه أكيدرَ من فتح دومة الجندل بين السرية الذين بعثهم مع خالد، وكانوا أربعمائة وعشرين فارسًا، وكانت غنائمهم ألفي بعير وثمانمائة رأس، فأصاب كلُّ رجلٍ منهم خمس فرائض. وهذا بخلاف ما إذا خرجت السريةُ من الجيش في حال الغزو فأصابت ذلك بقوة الجيش، فإن ما أصابوه يكون غنيمةً١ بعد الخُمْس والنفل٢، وهذا كان هديه ﷺ
فصل
ومنها: قوله ﷺ: «إن بالمدينة أقوامًا ما سرتم مسيرًا ولا قطعتم واديًا إلا كانوا معكم»، فهذه المعية هي بقلوبهم وهممهم، لا كما يظنه طائفة من الجهال أنهم معهم بأبدانهم، فهذا محال، لأنهم قالوا له: وهم بالمدينة؟ قال: «وهم بالمدينة حبسهم العذر»، فكانوا معه بأرواحهم وبدار الهجرة بأشباحهم. وهذا من الجهاد بالقلب، وهو أحد مراتبه الأربع وهي: القلب واللسان والمال والبدن، وفي الحديث: «جاهدوا المشركين بألسنتكم وقلوبكم وأموالكم»٣.
(١) بعده في النسخ المطبوعة: «للجميع»، ولم يرد في شيء من الأصول.
(٢) انظر ما سبق (ص ١٢١).
(٣) كذا ذكره المؤلف، ولفظ الحديث: «بأموالكم وأنفسكم وألسنتكم»، وفي بعض الروايات زيادة: «وأيديكم»، وليس في شيء منها موضع الشاهد: «وقلوبكم». أخرجه أحمد (١٢٢٤٦، ١٢٥٥٥) وأبو داود (٢٥٠٤) والدارمي (٢٤٧٥) والنسائي (٣٠٩٦) وابن حبان (٤٧٠٨) والحاكم (٢/ ٨١) والضياء في «المختارة» (٥/ ٢٧١) من طرق عن حماد بن سلمة عن حميد الطويل عن أنس. وإسناده على شرط مسلم كما قال الحاكم.