الواضح، فإن بلالًا إذ ذاك لعله لم يكن موجودًا، وإن كان فلم يكن مع عمِّه ولا مع أبي بكر. وذكر البزار هذا الحديث في «مسنده»١، ولم يقل: وأرسل معه أبو بكر٢ بلالًا، ولكن قال: رجلًا.
فلما بلغ خمسًا وعشرين سنةً خرج إلى الشام في تجارة، فوصل إلى بُصْرَى، ثم رجع، فتزوَّج عقيب رجوعه خديجة بنت خويلد. وقيل: تزوَّجها وله ثلاثون سنةً، وقيل: إحدى وعشرون؛ وسنُّها أربعون٣. وهي أول امرأة تزوجها، وأول امرأة ماتت من نسائه، ولم ينكح عليها غيرها، وأمره جبريل أن يقرأ ﵍ من ربِّها٤.
ثم حبَّب الله إليه الخلوة والتعبد لربِّه، وكان يخلو بغار حراء يتعبد فيه الليالي ذوات العدد. وبُغِّضت إليه الأوثان ودين قومه، فلم يكن شيء أبغض إليه من ذلك.
فلما كمل له أربعون أشرق٥ عليه نورُ النبوة، وأكرمه الله برسالته، وبعثه إلى خلقه، واختصَّه بكرامته، وجعله أمينه بينه وبين عباده.
ولا خلاف أن مبعثه كان يوم الاثنين٦. واختُلِف في شهر المبعث،
(١) (٨/ ٩٧)، انظر التخريج السابق.
(٢) كذا في الأصول. وكتب بعضهم في ن فوق «بكر»: «طالب».
(٣) انظر: «الروض الأنف» (٢/ ٢٤٦).
(٤) أخرجه البخاري (٧٤٩٧) ومسلم (٢٤٣٢) من حديث أبي هريرة ﵁.
(٥) ص، ج: «أشرقت».
(٦) لحديث أبي قتادة في صوم يوم الاثنين، قال النبي ﷺ: «ذاك يومٌ وُلِدتُ فيه، ويومٌ بُعِثتُ ــ أو: أنزل عليَّ ــ فيه»، أخرجه مسلم (١١٦٢).
فقيل: لثمان مضين من ربيع الأول سنة إحدى وأربعين من عام الفيل، هذا قول الأكثرين١. وقيل: بل كان ذلك في رمضان، واحتجَّ هؤلاء بقوله تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ﴾[البقرة: ١٨٥] قالوا: وأول ما أكرمه الله بنبوته أنزل عليه القرآن. وإلى هذا ذهب جماعة منهم يحيى الصَّرْصَري حيث يقول في نونيته:
وأتت عليه أربعون فأشرقتشمسُ النبوة منه في رمضان٢
والأولون قالوا: إنما كان إنزال القرآن في رمضان، أنزله٣ جملةً واحدةً في ليلة القدر إلى بيت العزَّة، ثم أنزله٤ منجَّمًا بحسب الوقائع في ثلاث٥ وعشرين سنةً٦.
(١) قال صاحب «سبل الهدى والرشاد» (٢/ ٢٢٦): «والمشهور عند الجمهور كما قال الحافظان ابن كثير وابن حجر أنه ﷺ بُعِث في شهر رمضان ... وعكَس ابنُ القيم ...».
(٢) «ديوانه» (ق ١٠٢/أ- نسخة دار الكتب الوطنية بتونس).
(٣) ص، ج، مب، ن: «إنزاله».
(٤) ص، ج، مب، ن: «أُنزِل».
(٥) ما عدا ج: «ثلاثة»، وقد زاد بعضهم تاء في ج أيضًا.
(٦) قاله ابن عباس فيما أخرجه النسائي في «الكبرى» (١١٣٠٨) والحاكم (٢/ ٢٢٢، ٣٦٨) والبيهقي في «الأسماء والصفات» (٤٩٧) بنحوه. وقد روي بألفاظ مختلفة، ذكرها الحافظ في «الفتح» (٩/ ٤).