عافية١ معها، كما في الحديث المشهور: «إذا أراد الله بعبد خيرًا عجَّل له عقوبته في الدنيا، وإذا أراد بعبد شرًّا أمسك عنه عقوبته في الدنيا فيَرِد القيامة بذنوبه»٢.
وفيه دليل أيضًا على هِجران الإمام والعالم والمطاع لمن فعل ما يستوجب العَتْب، ويكون هجرانه دواءً له بحيث لا يضعُف عن حصول الشفاء به ولا يزيد في الكيفية والكمية عليه فيهلكه، إذ المرادُ تأديبه لا إتلافه.
وقوله: «حتى تنكَّرت لي الأرض فما هي بالتي أعرف»، هذا التنكُّر يجده الخائف والحزين والمهموم في الأرض وفي الشجر والنبات، حتى يجده فيمن لا يعلم حالَه من الناس، ويجده أيضًا المذنب العاصي بحسب جُرمه حتى في خُلُق زوجته وولده وخادمه ودابَّته، ويجده في نفسه أيضًا فتتنكَّر له نفسُه حتى ما كأنه هو، ولا كأن أهلَه وأصحابَه ومن يُشفق عليه بالذين يعرفهم، وهذا سرٌّ من الله لا يخفى إلا على ميت القلب٣، وعلى حسب حياة القلب يكون إدراك هذا التنكر والوحشة.
وما لجرح بميتٍ إيلامُ٤
(١) س، ث، المطبوع: «عاقبة».
(٢) أخرجه أحمد (١٦٨٠٦) وابن حبان (٢٩١١) والحاكم (١/ ٣٤٩) من حديث الحسن عن عبد الله بن مغفَّل ﵁ بنحوه. ورجاله ثقات. وفي الباب حديث أنس عند الترمذي (٢٣٩٦) وأبي يعلى (٤٢٥٤) والحاكم (٤/ ٦٠٨) وفي إسناده لين، قال الترمذي: حسن غريب من هذا الوجه.
(٣) طبعة الرسالة: «إلا على من هو ميت القلب» خلافًا للأصول والطبعة الهندية.
(٤) عجز بيت سائر للمتنبي، صدره: من يَهُن يسهُل الهوان عليه
ومن المعلوم أن هذا التنكر والوحشة كانا لأهل النفاق أعظم، ولكن لموت قلوبهم لم يكونوا يشعرون به، وهكذا القلب إذا استحكم مرضه واشتدَّ١ بالذنوب والإجرام لم يجد هذه الوحشة والتنكر ولم يحسَّ بها، وهذا٢ علامة الشقاء وأنه قد أيس من عافية هذا المرض، وأعيا على الأطباء شفاؤه. والخوف والهم مع الرِّيبة والأمن، والسرور مع البراءة من الريب٣.
فما في الأرض أشجع من بريءٍولا في الأرض أخوف من مريب٤
وهذا القدر قد ينتفع به المؤمن البصير إذا ابتُلي به ثم راجع نفعًا عظيمًا من وجوه عديدة تفوت الحصر، ولو لم يكن منها إلا استثمارُه مِن ذلك أعلامَ النبوة وذوقُه نفسَ ما أخبر به الرسول، فيصير تصديقه ضروريًّا عنده، ويصير ما ناله من الشر بمعاصيه ومن الخير بطاعاته من أدلة صدق النبوة الذَّوقية التي لا يتطرق إليها الاحتمالات. وهذا كمن أخبرك أن في هذه الطريق من المعاطب والمخاوف كيت وكيت على التفصيل، فخالفتَه وسلكتها فرأيت عين ما أخبرك به، فإنك تشهد صدقه في نفس خلافك له. وأما إذا سلك طريقَ الأمن وحدها ولم يجد من تلك المخاوف شيئًا، فإنه وإن شهد صدق المخبِر بما ناله من الخير والظفر فيها مفصَّلًا، فإن علمه بتلك يكون مجملًا.
(١) في النسخ المطبوعة: «اشتدَّ ألمه»، إقحام مفسد للمعنى.
(٢) ن، المطبوع: «وهذه».
(٣) ز، س، ث، ن: «الذنب»، وكذا في المطبوع.
(٤) لعل البيت للمؤلف، وقد ذكره ابن مفلح في «الآداب الشرعية» (٢/ ٣٢) بلا نسبة.