فقيل: لثمان مضين من ربيع الأول سنة إحدى وأربعين من عام الفيل، هذا قول الأكثرين١. وقيل: بل كان ذلك في رمضان، واحتجَّ هؤلاء بقوله تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ﴾[البقرة: ١٨٥] قالوا: وأول ما أكرمه الله بنبوته أنزل عليه القرآن. وإلى هذا ذهب جماعة منهم يحيى الصَّرْصَري حيث يقول في نونيته:
وأتت عليه أربعون فأشرقتشمسُ النبوة منه في رمضان٢
والأولون قالوا: إنما كان إنزال القرآن في رمضان، أنزله٣ جملةً واحدةً في ليلة القدر إلى بيت العزَّة، ثم أنزله٤ منجَّمًا بحسب الوقائع في ثلاث٥ وعشرين سنةً٦.
(١) قال صاحب «سبل الهدى والرشاد» (٢/ ٢٢٦): «والمشهور عند الجمهور كما قال الحافظان ابن كثير وابن حجر أنه ﷺ بُعِث في شهر رمضان ... وعكَس ابنُ القيم ...».
(٢) «ديوانه» (ق ١٠٢/أ- نسخة دار الكتب الوطنية بتونس).
(٣) ص، ج، مب، ن: «إنزاله».
(٤) ص، ج، مب، ن: «أُنزِل».
(٥) ما عدا ج: «ثلاثة»، وقد زاد بعضهم تاء في ج أيضًا.
(٦) قاله ابن عباس فيما أخرجه النسائي في «الكبرى» (١١٣٠٨) والحاكم (٢/ ٢٢٢، ٣٦٨) والبيهقي في «الأسماء والصفات» (٤٩٧) بنحوه. وقد روي بألفاظ مختلفة، ذكرها الحافظ في «الفتح» (٩/ ٤).
أحدها١: الرؤيا الصادقة، وكانت مبدأ وحيه ﷺ، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح٢.
المرتبة الثانية: ما كان يلقيه الملك في رُوعه وقلبه٣ من غير أن يراه، كما قال النبي ﷺ: «إنَّ روحَ القدس نفَث في رُوعي أنه لن تموت نفس حتى تستكمل رزقها، فاتقوا الله وأجمِلوا في الطلب. ولا يحملنَّكم استبطاءُ الرزق على أن تطلبوه بمعصية الله، فإنَّ ما عند الله لا يُنال إلا بطاعته»٤.
الثالثة: أنه كان يتمثَّل له الملَكُ رجلًا فيخاطبه حتى يعي عنه ما يقول له. وفي هذه المرتبة كان يراه الصحابة أحيانًا.
(١) كذا في الأصول، وله نظائر في كتب المؤلف.
(٢) أخرجه البخاري (٣) ومسلم (١٦٠) من حديث عائشة ﵂.
(٣) ك، ع: «وفي قلبه».
(٤) أخرجه ابن أبي شيبة (٣٥٤٧٣) وهناد بن السري في «الزهد» (٤٩٤) وابن أبي الدنيا في «القناعة» (٩١ - موسوعة ابن أبي الدنيا ط. دار أطلس) والطبراني (٨/ ١٦٦) وأبو نعيم في «الحلية» (١٠/ ٢٧) من حديث عبد الله بن مسعود ﵁ بنحوه من طرق لا تخلو من مقال، وهي منقطعة، ورجح الانقطاع الدارقطني في «العلل» (٨٧٥)، وأشار إليه الحافظ في «المطالب» (٥/ ٥٧٦). ينظر: «السلسلة الصحيحة» (٢٨٦٦). وله شاهد من حديث جابر عند ابن ماجه (٢١٤٤) وابن حبان (٣٢٣٩، ٣٢٤١) وغيرهما من طرق لا تخلو من ضعف. وشاهد آخر من حديث المطلب بن حنطب أخرجه الشافعي في «الرسالة» (ص ٩٣) محتجًا به في كون ما ألقي في روعه ﷺ سنةً. ينظر تعليق الشيخ أحمد شاكر عليه.