أحدهما: كلامه لهم وإرساله إليهم بعد أن كان لا يكلمهم بنفسه ولا برسوله.
الثاني: من خصوصية أمرهم باعتزال النساء، وفيه تنبيه وإرشاد لهم إلى الجد والاجتهاد في العبادة، وشدِّ المئزر واعتزال محل اللهو واللذة، والتعوُّض عنه بالإقبال على العبادة، وفي هذا إيذان بقرب الفَرَج وأنه قد بقي من العتب أمر يسير.
وفقه هذه القضية١ أن زمن العبادات ينبغي فيه تجنُّبُ النساء، كزمن الإحرام وزمن الاعتكاف وزمن الصيام، فأراد النبي ﷺ أن يكون آخر هذه المدة في حق هؤلاء بمنزلة أيام الإحرام والصيام في ترفُّهها٢ على العبادة، ولم يأمرهم بذلك من أول المدة رحمةً بهم وشفقةً عليهم، إذ لعلهم يضعُف صبرهم عن نسائهم في جميعها، فكان من اللطف بهم والرحمة أن أُمِروا بذلك في آخر المدة، كما يؤمر به الحاج من حين يُحرِم لا من حين يعزم على الحج.
وقول كعب لامرأته: «الحَقي بأهلك» دليل على أنه لا يقع بهذه اللفظة وأمثالها طلاقٌ ما لم ينوِه.
(١) ث، ن، المطبوع: «القصة».
(٢) ص، د: «ترفيهها». ز، س: «ترفههما». وفي النسخ المطبوعة: «توفُّرها». والمثبت من سائر الأصول له نظير في «أعلام الموقعين» (٢/ ١١٢) حيث قال: «... فإنهم قصدوا ترفيه أنفسهم على العبادة». ومعنى «ترفهها على العبادة» أي: ترفههم وتنعمهم فيها بالعكوف على العبادة والإقبال عليها. والله أعلم.
والصحيح أن لفظ الطلاق والعتاق والحرية كذلك؛ إذا أراد به غير تسييب الزوجة وإخراجِ الرقيق عن ملكه لا يقع به طلاق ولا عتق، هذا هو الصواب الذي ندين الله به ولا نرتاب فيه البتة. فإذا قيل له: إن غلامك فاجر أو جاريتك تزني، فقال: «ليس كذلك، بل هو غلام عفيف حرٌّ وجارية عفيفة حرَّة»، ولم يرد بذلك حرية العتق، وإنما أراد به١ حرية العفة= فإن جاريته وعبده لا يَعتِقان بهذا أبدًا. وكذا إذا قيل له: كم لغلامك عندك سنةً؟ فقال: هو عتيق عندي، وأراد قدم ملكه له لم يَعتِق بذلك. وكذلك إذا ضرب امرأته الطلق، فسئل عنها فقال: هي طالق، ولم يخطر بقلبه إيقاع الطلاق وإنما أراد أنها في طلق الولادة لم تَطْلُق بهذا. وليست هذه الألفاظ مع هذه القرائن صريحة إلا فيما أريد بها ودلَّ السياق عليها، فدعوى أنها صريحة في الطلاق والعتاق مع هذه القرائن مكابرة ودعوى باطلة قطعًا.
فصل
وفي سجود كعب حين سمع صوت المبشر دليل ظاهر أن تلك كانت عادة الصحابة، وهي سجود الشكر عند النعم المتجددة والنقم المندفعة، وقد سجد أبو بكر الصديق لما جاءه قتل مسيلمة الكذاب٢، وسجد علي بن أبي طالب حين وَجَد ذا الثُّدَيَّة مقتولًا في الخوارج٣.
(١) «به» ساقط من س، ث، والنسخ المطبوعة.
(٢) أخرجه سعيد بن منصور كما سبق أن ذكره المؤلف في فصل في سجود الشكر (١/ ٤٤١). وعند عبد الرزاق (٥٩٦٣) وغيره أنه سجد «حين جاءه فتح اليمامة».
(٣) أخرجه أحمد (٨٤٨) وابن أبي شيبة (٨٥٠٢، ٨٥٠٨، ٨٥١٠) والحاكم (٢/ ١٥٤) من طرق يصحُّ الخبر بمجموعها.