بد له١ منه من مسكن وخادم وكسوة وآلةِ حرفةٍ أو ما يتَّجر به لمؤنته إن فُقدت الحرفة، ويكون حق الغرماء فيما بقي.
وقد نص الإمام أحمد٢ على أن من نذر الصدقة بماله كله أجزأه ثلثه، واحتج له أصحابُه بما روي في قصة كعب هذه أنه قال: يا رسول الله! إن من توبتي إلى الله ورسوله أن أخرج من مالي كلِّه إلى الله ورسوله صدقةً قال: «لا»، قلت: فنصفه؟ قال: «لا»، قلت: فثلثه؟ قال: «نعم»، قلت: فإني أمسك سهمي٣ من خيبر، رواه أبو داود٤. وفي ثبوت هذا ما فيه، فإن الصحيح في قصة كعب هذه ما رواه أصحاب «الصحيح» من حديث الزهري عن ولد كعب بن مالك عنه أنه قال: «أمسك عليك بعض مالك» من غير تعيين لقدره، وهم أعلم بالقصة من غيرهم فإنهم ولده وعنه نقلوها٥.
فإن قيل: فما تقولون فيما رواه الإمام أحمد في «مسنده»٦ أن
(١) «له» ساقطة من س، ن، والنسخ المطبوعة.
(٢) في رواية ابنه صالح (٢/ ٣١٧) وأبي داود (ص ٣٠٢) والكوسج (١/ ٦١٥).
(٣) غير محرّر في ف، يشبه «سهمين»، وإليه تحرّف في ص، د.
(٤) برقم (٣٣٢١) من طريق ابن إسحاق عن الزهري عن عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك عن أبيه عن جدّه. وقد خالف فيه ابن إسحاق أصحاب الزهري الثقات الأثبات: عُقيلًا ويونس الأيليَّين ــ والحديث من طريقهما في «الصحيحين» ــ ومعمرًا وغيرهم، فكلهم يرويه بلفظ: «أمسك عليك بعض مالك».
(٥) وحديث أبي داود أيضًا من طريق الزهري عن ولد كعب بن مالك، ولكن آفته من ابن إسحاق فإنه ليس بذاك الحافظ وقد خالف أصحاب الزهري في لفظه وسياقه.
(٦) برقم (١٥٧٥٠)، وأخرجه أيضًا ابن حبان (٣٣٧١) والحاكم (٣/ ٦٣٢). وفي إسناده ضعف واضطراب. انظر تعليق محققي «المسند» (ط. الرسالة) على الحديث.
أبا لُبابة بن عبد المنذر لما تاب الله عليه قال: يا رسول الله، إن من توبتي أن أهجُر دار قومي وأساكنك، وأن أنخلع من مالي صدقةً لله ﷿ ولرسوله، فقال رسول الله ﷺ: «يجزئ عنك الثلث»؟
قيل: هذا هو الذي احتج به أحمد١ لا بحديث كعب، فإنه قال في رواية ابنه عبد الله٢: «إذا نذر أن يتصدق بماله كلِّه أو ببعضه، وعليه دين أكثر مما يملكه، فالذي أذهب إليه أنه يجزئه من ذلك الثلث لأن النبي ﷺ أمر أبا لبابة بالثلث». وأحمد أعلم بالحديث أن يحتج بحديث كعب هذا الذي فيه ذكر الثلث، إذ المحفوظ في هذا الحديث: «أمسك عليك بعض مالك»، فكأنَّ أحمد رأى تقييد إطلاق حديث كعب هذا بحديث أبي لبابة.
وقوله فيمن نذر أن يتصدق بماله كله أو ببعضه وعليه دين يستغرقه: «إنه يجزئه من ذلك الثلث» دليلٌ على انعقاد نذره وعليه دين يستغرق ماله، ثم إذا قضى الدين أخرج مقدارَ ثلثِ ماله يومَ النذر. وهكذا قال في رواية ابنه عبد الله٣: «إذا ذهب٤ ماله وقضى دينه واستفاد غيره، فإنما يجب عليه إخراج ثلث ماله يومَ حنثه» يريد بيوم حنثه يوم نذره، فينظر قدر الثلث ذلك اليوم فيخرجه بعد قضاء دينه.
(١) كما في مسائل صالح وأبي داود والكوسج التي سبق العزو إليها.
(٢) ليست في المطبوع من «مسائله»، وقد نقلها عنه أبو بكر غلام الخلال في «زاد المسافر» (٤/ ٤٩٤).
(٣) هو تتمة ما سبق نقله منها، ولفظه في «زاد المسافر»: «فإن نَفِد هذا المال واستفاد غيره وقضى دينه فإنما يجب ...» إلخ بمثله.