أحدها١: الرؤيا الصادقة، وكانت مبدأ وحيه ﷺ، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح٢.
المرتبة الثانية: ما كان يلقيه الملك في رُوعه وقلبه٣ من غير أن يراه، كما قال النبي ﷺ: «إنَّ روحَ القدس نفَث في رُوعي أنه لن تموت نفس حتى تستكمل رزقها، فاتقوا الله وأجمِلوا في الطلب. ولا يحملنَّكم استبطاءُ الرزق على أن تطلبوه بمعصية الله، فإنَّ ما عند الله لا يُنال إلا بطاعته»٤.
الثالثة: أنه كان يتمثَّل له الملَكُ رجلًا فيخاطبه حتى يعي عنه ما يقول له. وفي هذه المرتبة كان يراه الصحابة أحيانًا.
(١) كذا في الأصول، وله نظائر في كتب المؤلف.
(٢) أخرجه البخاري (٣) ومسلم (١٦٠) من حديث عائشة ﵂.
(٣) ك، ع: «وفي قلبه».
(٤) أخرجه ابن أبي شيبة (٣٥٤٧٣) وهناد بن السري في «الزهد» (٤٩٤) وابن أبي الدنيا في «القناعة» (٩١ - موسوعة ابن أبي الدنيا ط. دار أطلس) والطبراني (٨/ ١٦٦) وأبو نعيم في «الحلية» (١٠/ ٢٧) من حديث عبد الله بن مسعود ﵁ بنحوه من طرق لا تخلو من مقال، وهي منقطعة، ورجح الانقطاع الدارقطني في «العلل» (٨٧٥)، وأشار إليه الحافظ في «المطالب» (٥/ ٥٧٦). ينظر: «السلسلة الصحيحة» (٢٨٦٦). وله شاهد من حديث جابر عند ابن ماجه (٢١٤٤) وابن حبان (٣٢٣٩، ٣٢٤١) وغيرهما من طرق لا تخلو من ضعف. وشاهد آخر من حديث المطلب بن حنطب أخرجه الشافعي في «الرسالة» (ص ٩٣) محتجًا به في كون ما ألقي في روعه ﷺ سنةً. ينظر تعليق الشيخ أحمد شاكر عليه.
الرابعة: أنه كان يأتيه في مثل صلصلة الجرس، وكان أشدَّه عليه، فيلتبس به الملَكُ حتَّى إنَّ جبينه ليتفصَّد عرقًا في اليوم الشديد البرد١. وحتَّى إنَّ راحلته لَتبرُك به إلى الأرض إذا كان راكبَها٢. ولقد جاءه الوحي مرةً كذلك، وفخذُه على فخذ زيد بن ثابت، فثقلت عليه حتى كادت تَرُضُّها٣.
الخامسة: أن يرى الملكَ في صورته التي خُلِق عليها، فيوحي إليه ما شاء الله أن يوحيه. وهذا وقع له مرتين كما ذكر الله ذلك في سورة النجم٤.
السادسة: ما أوحاه الله إليه وهو فوق السماوات ليلة المعراج من فرض الصلاة وغيرها.
السابعة: كلام الله سبحانه له منه إليه بلا واسطة ملَك، كما كلَّم موسى بنَ عمران، وهذه المرتبة هي ثابتة لموسى قطعًا بنص القرآن، وثبوتها
(١) هذه المرتبة والتي قبلها في حديث عائشة عند البخاري (٢) ومسلم (٢٣٣٣). وقد رأته أم سلمة ﵂ على صورة دحية الكلبي ﵁، أخرجه البخاري (٣٦٣٤) ومسلم (٢٤٥١)، ورآه غيرها من الصحابة.
(٢) كما في حديث هشام بن عروة عن أبيه مرسلًا عند عبد الرزاق في «تفسيره» (٣/ ٣٥٧ - دار الكتب العلمية) والطبري (٢٣/ ٣٦٥). وروي عن هشام عن أبيه عن عائشة مسندًا عند أحمد (٢٤٨٦٨) والحاكم (٢/ ٥٠٥)، ولكن في إسنادهما لين، والمرسل أشبه.
(٣) أخرجه البخاري (٢٨٣٢، ٤٥٩٢) من حديث زيد بن ثابت ﵁.
(٤) أخرج مسلم (١٧٧) عن مسروق أنه سأل عائشة ﵂ عن قول الله عزوجل: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ﴾[التكوير: ٢٣]، ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى﴾[النجم: ١٣]؟ فقالت: أنا أول هذه الأمة سأل عن ذلك رسول الله ﷺ، فقال: «إنما هو جبريل، لم أره على صورته التي خلق عليها غير هاتين المرتين ...».