أن النبي ﷺ أمره أن يجعل مسجد الطائف حيث كانت طاغيتهم.
وفي مغازي المعتمر١ بن سليمان قال: سمعت عبد الله بن عبد الرحمن الطائفي يحدث [عن عثمان بن عبد الله]٢ عن عمِّه عمرو بن أوس عن عثمان بن أبي العاص قال: استعملني رسول الله ﷺ وأنا أصغر الستة الذين وفدوا عليه من ثقيف، وذلك أني كنت قرأت سورة البقرة فقلت: يا رسول الله، إن القرآن يتفلَّت مني، فوضع يده على صدري وقال: «يا شيطان، اخرج من صدر عثمان»، فما نسيتُ شيئًا بعده أريد حفظه.
وفي «صحيح مسلم»٣ عن عثمان بن أبي العاص قلت: يا رسول الله!
(١) ومن طريقه أخرجه عمر بن شبَّة في «أخبار المدينة» (٢/ ١٠٥) والبيهقي في «الدلائل» (٥/ ٣٠٨)، وإسناده لا بأس به في المتابعات والشواهد. وقد روي من طريق آخر بإسناد جيّد عند ابن ماجه (٣٥٤٨) والرُّوياني (١٥١٥) بنحوه. وله طرق أخرى لا تخلو من مقال. انظر: «السلسلة الصحيحة» للألباني (٢٩١٨).
(٢) ما بين الحاصرتين استُدرك من «أخبار المدينة» لابن شبّة، وقد سقط من جميع الأصول تبعًا لـ «دلائل النبوة» مصدر المؤلف. وعثمان بن عبد الله هو ابن أوس الثقفي الطائفي، ابن أخي عمرو بن أوس.
(٣) برقم (٢٢٠٣)، وأخرجه أيضًا البيهقي في «الدلائل» (٥/ ٣٠٧) واللفظ له.
إن الشيطان قد حال بيني وبين صلاتي وقراءتي، فقال: «ذاك شيطان يقال له: خنزب، فإذا أحسسته فتعوَّذْ بالله منه واتْفِل عن يسارك ثلاثًا»، قال: ففعلت فأذهبه الله عني.
فصل
وفي قصة هذا الوفد من الفقه أن الرجل من أهل الحرب إذا غدر بقومه وأخذ أموالهم ثم قدم مسلمًا لم يتعرَّض له الإمام، ولا لما أخذه من المال، ولا يضمن ما أتلفه قبل مجيئه من نفس ولا مال، كما لم يتعرَّض النبي ﷺ لما أخذه المغيرة من أموال الثقفيِّين، ولا ضمن ما أتلفه عليهم، وقال: «أما الإسلام فأقبل، وأما المال فلست منه في شيء».
ومنها: جواز إنزال المشرك في المسجد، ولا سيما إذا كان يرجو إسلامه وتمكينه من سماع القرآن ومشاهدة أهل الإسلام وعباداتهم١.
ومنها: حسن سياسة الوفد وتلطُّفهم حتى تمكَّنوا من تبليغ٢ ثقيفٍ ما قدموا به، فتصوَّروا لهم بصورة المُنكِر لما يكرهونه المُوافِقِ لهم فيما يَهْوَونه، حتى ركنوا إليهم واطمأنُّوا، فلما علموا أنهم ليس لهم بد من الدخول في دعوة الإسلام أذعنوا، فأعلمهم الوفد أنهم بذلك قد جاؤوهم، ولو فاجؤوهم به من أول وهلة لما أقرُّوا به ولا أذعنوا، وهذا من حُسن٣ الدعوة وتمام التبليغ، ولا يتأتى إلا٤ مع ألبَّاء الناس وعقلائهم.