زاد المعاد

إن الشيطان قد حال بيني وبين صلاتي وقراءتي، فقال: «ذاك شيطان يقال له: خنزب، فإذا أحسسته فتعوَّذْ بالله منه واتْفِل عن يسارك ثلاثًا»، قال: ففعلت فأذهبه الله عني.

فصل

وفي قصة هذا الوفد من الفقه أن الرجل من أهل الحرب إذا غدر بقومه وأخذ أموالهم ثم قدم مسلمًا لم يتعرَّض له الإمام، ولا لما أخذه من المال، ولا يضمن ما أتلفه قبل مجيئه من نفس ولا مال، كما لم يتعرَّض النبي ﷺ لما أخذه المغيرة من أموال الثقفيِّين، ولا ضمن ما أتلفه عليهم، وقال: «أما الإسلام فأقبل، وأما المال فلست منه في شيء».

ومنها: جواز إنزال المشرك في المسجد، ولا سيما إذا كان يرجو إسلامه وتمكينه من سماع القرآن ومشاهدة أهل الإسلام وعباداتهم١.

ومنها: حسن سياسة الوفد وتلطُّفهم حتى تمكَّنوا من تبليغ٢ ثقيفٍ ما قدموا به، فتصوَّروا لهم بصورة المُنكِر لما يكرهونه المُوافِقِ لهم فيما يَهْوَونه، حتى ركنوا إليهم واطمأنُّوا، فلما علموا أنهم ليس لهم بد من الدخول في دعوة الإسلام أذعنوا، فأعلمهم الوفد أنهم بذلك قد جاؤوهم، ولو فاجؤوهم به من أول وهلة لما أقرُّوا به ولا أذعنوا، وهذا من حُسن٣ الدعوة وتمام التبليغ، ولا يتأتى إلا٤ مع ألبَّاء الناس وعقلائهم.

  1. (١) ث، ن، والنسخ المطبوعة: «عبادتهم».
  2. (٢) ز، والنسخ المطبوعة: «إبلاغ».
  3. (٣) ن، والنسخ المطبوعة: «أحسن»، تصحيف.
  4. (٤) «إلا» سقطت من المطبوع.
757

ومنها: أن المستحقَّ لإمرة القوم وإمامتِهم أفضلُهم وأعلمهم بكتاب الله وأفقهُهم في دينه.

ومنها: هدم مواضع الشرك التي تُتَّخذ بيوتًا للطواغيت، وهدمُها أحبُّ إلى الله ورسوله وأنفع للإسلام والمسلمين من هدم الحانات والمواخير١. وهذا حال المشاهد المبنية على القبور التي تُعبَد من دون الله ويُشرَك بأربابها مع الله، لا يحل إبقاؤها في الإسلام ويجب هدمُها، ولا يصح وقفها ولا الوقف عليها، وللإمام أن يقطعها وأوقافها لجند الإسلام، ويستعين بها على مصالح المسلمين. وكذلك ما فيها من الآلات والمتاع والنذور التي تُساق إليها يُضاهى بها الهدايا التي تساق إلى البيت الحرام= للإمام أخذُها كلِّها وصرفها في مصالح المسلمين، كما أخذ النبي ﷺ أموال بيوت هذه الطواغيت وصرفها في مصالح الإسلام، وكان يُفعَل عندها ما يفعل عند هذه المشاهد سواء، من النذور لها والتبرُّك بها والتمسُّح بها وتقبيلها واستلامها؛ هذا كان شرك القوم بها ولم يكونوا يعتقدون أنها خلقت السماوات والأرض، بل كان شركهم بها كشرك أهل الشرك من أرباب المشاهد بعينه.

ومنها: استحباب اتخاذ المساجد مكانَ بيوت الطواغيت، فيُعبد الله وحده لا يشرك به شيئًا في الأمكنة التي كان يُشرَك به فيها، وهكذا الواجب في مثل هذه المشاهد أن تُهدَم وتجعل مساجد إن احتاج إليها المسلمون، وإلا أقطعها الإمام هي وأوقافها للمقاتلة وغيرهم.

ومنها: أن العبد إذا تعوَّذ بالله من الشيطان٢ وتفل عن يساره لم يضرَّه

  1. (١) المواخير: جمع الماخور، وهو الحانوت، أي: بيت الخمر، في لغة أهل العراق.
  2. (٢) بعده في هامش ز، ن، المطبوع: «الرجيم».
758

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي