لهم١ في زيارتها غير أن لا يقولوا هُجرًا٢. وهكذا قد يقال في الانتباذ في هذه الأوعية إنه فطمهم عن المسكر وأوعيته، وسدَّ الذريعة إليه إذ كانوا حديثي عهدٍ بشربه، فلما استقر تحريمه عندهم واطمأنت إليه نفوسهم أباح لهم الأوعية كلَّها غير أن لا يشربوا مسكرًا؛ فهذا فقه المسألة وسرُّها.
وفيها: مدح صفتي الحلم والأناة، وأن الله يحبهما. وضدُّهما الطيش والعجلة، وهما خُلُقان مذمومان يفسدان الأخلاق والأعمال.
وفيه دليل على أن الله يحب مِن عبده ما جبله عليه من خصال الخير كالذكاء والشجاعة والحلم.
وفيه دليل على أن الخُلُق قد يحصل بالتخلُّق والتكلُّف، لقوله في هذا الحديث: أخُلُقَين تخلَّقتُ بهما أو جبلني الله عليهما؟ فقال: «بل جُبِلتَ عليهما»٣.
(١) «لهم» سقط من د، والنسخ المطبوعة. وفي ف: «له»، خطأ.
(٢) أي: كلامًا قبيحًا من الويل والثبور وغير ذلك مما يخالف الشرع. والإذن في زيارة القبور بعد النهي عنه جزء من حديث مسلم عن بريدة الذي سبق آنفًا، وفي رواية النسائي (٢٠٣٣) زيادة: «ولا تقولوا هُجرًا». ووردت أيضًا في حديث أبي سعيد وأنس عند أحمد (١١٦٠٦، ١٣٤٨٧)، وفي إسنادهما لين.
(٣) لم ترد هذه الزيادة في حديثي ابن عباس وأبي سعيد عند مسلم في خبر الوفد. وقد وردت عند أحمد (٢٤٠٠٩/ ٥٤) وأبي داود (٥٢٢٥) وغيرهما من حديث أم أبان بنت الوازع عن أبيها (أو عن جدّها) وكان في وفد عبد القيس. ورويت أيضًا من حديث مزيدة العبدي عند البخاري في «الأدب المفرد» (٥٨٧) وأبي يعلى (٦٨٥٠)، ومن حديث الأشج نفسه عند ابن حبان (٧٢٠٣)، ومن طريق آخر عنه عند أحمد (١٧٨٢٨) والبخاري في «الأدب المفرد» (٥٨٤) بلفظ: قلت: قديمًا كان فيَّ أو حديثًا؟ قال ﷺ: قديمًا. والحديث حسن، بل صحيح إن شاء الله، بمجموع هذه الطرق والروايات.
وفيه دليل على أنه سبحانه خالق أفعال العباد وأخلاقهم كما هو خالق ذواتهم وصفاتهم، فالعبد كلُّه مخلوقٌ ذاتُه وصفاته وأفعاله، ومن أخرج أفعاله عن خلق الله فقد جعل فيه خالقًا مع الله، ولهذا شبَّه السلف القدرية النفاة بالمجوس، وقالوا: هم مجوس هذه الأمة، صحَّ ذلك عن ابن عباس١.
وفيه إثبات الجَبْل لا الجبر لله تعالى، وأنه يجبُل عبدَه على ما يريد كما جبل الأشج على الحلم والأناة، وهما فعلان ناشئان عن خلقين في النفس. فهو سبحانه الذي جبل العبد على أخلاقه وأفعاله، ولهذا قال الأوزاعي وغيره من أئمة السلف: «نقول إن الله جبل العباد على أعمالهم، ولا نقول جبرهم عليها»٢. وهذا من كمال علم الأئمة ودقيق نظرهم، فإن الجبر أن يَحمل العبدَ على خلاف مراده، كجبر البكر الصغيرة على النكاح وجبر الحاكم مَن عليه الحقُّ على أدائه، واللهُ سبحانه أقدر من أن يُجبر عبدَه٣، ولكنه يَجبُله على أن يفعل ما يشاء الربُّ بإرادة عبدِه واختياره ومشيئته؛ فهذا لون والجبر لون.
(١) لم أجده مرويًّا عن ابن عباس إلا عند هبة الله اللالكائي في «شرح السنة» (١٢٨٦) بإسناد واه. وإنما صحّ ذلك عن ابن عمر؛ أخرجه عبد الله بن أحمد في «السنة» (٩٣٥) واللالكائي (١٢٩٢) والبيهقي في «القدر» (٤١٠) وصححه. وقد روي عن ابن عمر مرفوعًا ولا يصحّ. انظر: «العلل» للدارقطني (٢٩٨٣).
(٢) أخرجه الخلال في «السنة» بتحقيق عادل آل حمدان (٩١٣، ٩١٦) عن سفيان الثوري والأوزاعي ومحمد بن الوليد الزُّبَيدي بمعناه.
(٣) زِيد بعده في ن، والنسخ المطبوعة: «بهذا المعنى».