رسول الله إلى مسيلمة الكذاب. سلامٌ على من اتبع الهدى. أما بعد، فإن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده، والعاقبة للمتقين»، فكان ذلك في آخر سنة عشر.
قال ابن إسحاق١: فحدثني سعد بن طارق، عن سلمة بن نُعَيم بن مسعود، عن أبيه قال: سمعت رسول الله ﷺ حين جاءه رسولا مسيلمةَ الكذابِ بكتابه يقول لهما: «وأنتما تقولان بمثل ما يقول؟» قالا: نعم، فقال: «أما والله لولا أن الرسل لا تُقتَل لضربت أعناقكما».
وروينا في «مسند أبي داود الطيالسي»٢ عن أبي وائل عن عبد الله٣ قال: جاء ابن النَّوَّاحة وابن أُثال رسولَين لمسيلمة٤ إلى رسول الله ﷺ فقال
(١) كما في «الدلائل» (٥/ ٣٣٢). وأخرجه أيضًا أحمد (١٥٩٨٩) وأبو داود (٢٧٦١) والحاكم (٢/ ١٤٣، ٣/ ٥٢) من طريق ابن إسحاق به. وهو حديث حسن، قد حسَّنه البخاري كما نقله الترمذي في «العلل الكبير» (ص ٣٨١).
(٢) برقم (٢٤٨)، ومن طريقه أخرجه البيهقي في «الدلائل» (٥/ ٣٣٢). وأخرجه أيضًا أحمد (٣٧٠٨) والبزّار (١٧٣٣) وأبو يعلى (٥٠٩٧) وابن حبان (٤٨٧٨) من طرق عن عاصم بن أبي النجود عن أبي وائل به. وأخرجه أيضًا أحمد (٣٦٤٢) وأبو داود (٢٧٦٢) والنسائي في «الكبرى» (٨٦٢٢، ٨٦٢٣) وابن حبان (٤٨٧٩) من طريق أبي إسحاق عن حارثة بن مضرِّب عن ابن مسعود بنحوه. والحديث صحيح بمجموع هذين الإسنادين.
(٣) ف، ب، د، ث: «أبي عبد الله»، خطأ. وجاء في آخر الحديث على الصواب في جميع الأصول. وعبد الله هو ابن مسعود.
(٤) زِيد في النسخ المطبوعة بعده: «الكذّاب»، وهو كذلك إلا أنه ليس في الأصول ولا في مصدري النقل.
لهما رسول الله ﷺ: «تشهدان أني رسول الله؟» فقالا: نشهد أن مسيلمة رسول الله، فقال رسول الله ﷺ: «آمنت بالله ورسوله، ولو كنت قاتلًا رسولًا لقتلتكما». قال عبد الله: فمضت السنة بأن الرسل لا تقتل.
وفي «صحيح البخاري»١ عن أبي رجاءٍ العُطاردي قال: «لما بُعث النبي ﷺ فسمعنا به لَحِقْنا بمسيلمة الكذاب فلحقنا بالنار. وكنا نعبد الحجر في الجاهلية، فإذا وجدنا حجرًا هو أحسن منه ألقينا ذاك فأخذناه، فإذا لم نجد حجرًا جمعنا حَثيةً من تراب ثم جئنا بغنمٍ فحلبناها عليه ثم طفنا به. وكنا إذا دخل رجب قلنا: جاء مُنْصِل الأسِنَّة، فلا ندع حديدةً فيها سهم ولا حديدةً في رُمح إلا انتزعناه وألقيناه».
قلت: وفي «الصحيحين»٢ من حديث نافع بن جُبَير عن ابن عباس قال: قدم مسيلمة الكذاب على عهد رسول الله ﷺ المدينة فجعل يقول: إن جعل لي محمدٌ الأمرَ مِن بعده اتَّبعتُه، وقدمها في بشر كثير من قومه، فأقبل النبيُّ ﷺ ومعه ثابت بن قيس بن شمَّاس، وفي يد النبي ﷺ قطعة جريدٍ، حتى وقف على مسيلمة في أصحابه فقال: «إن سألتَني هذه القطعة ما أعطيتُكها، ولن تعدو أمر الله فيك، ولئن أدبرت ليَعقِرنَّك الله، وإني أراك الذي أُريت فيه ما رأيت، وهذا ثابت بن قيس يجيبك عني» ثم انصرف. قال ابن عباس: فسألت عن قول النبي ﷺ: «إنك الذي أريت فيه ما رأيت»، فأخبرني أبو هريرة أن النبي ﷺ قال: «بينا أنا نائم رأيتُ في يديَّ سِوارين من ذهب،
(١) برقم (٤٣٧٦)، واللفظ أشبه بلفظ البيهقي في «الدلائل» (٥/ ٣٣٣). وفي المطبوع غُيِّر بعض ألفاظه واستُبدل بها ألفاظ البخاري، فخرج الحديث مرقّعًا ملفّقًا، لا هو بالذي كتب المؤلف، ولا الذي في «الدلائل»، ولا الذي عند البخاري!