زاد المعاد

لهما رسول الله ﷺ: «تشهدان أني رسول الله؟» فقالا: نشهد أن مسيلمة رسول الله، فقال رسول الله ﷺ: «آمنت بالله ورسوله، ولو كنت قاتلًا رسولًا لقتلتكما». قال عبد الله: فمضت السنة بأن الرسل لا تقتل.

وفي «صحيح البخاري»١ عن أبي رجاءٍ العُطاردي قال: «لما بُعث النبي ﷺ فسمعنا به لَحِقْنا بمسيلمة الكذاب فلحقنا بالنار. وكنا نعبد الحجر في الجاهلية، فإذا وجدنا حجرًا هو أحسن منه ألقينا ذاك فأخذناه، فإذا لم نجد حجرًا جمعنا حَثيةً من تراب ثم جئنا بغنمٍ فحلبناها عليه ثم طفنا به. وكنا إذا دخل رجب قلنا: جاء مُنْصِل الأسِنَّة، فلا ندع حديدةً فيها سهم ولا حديدةً في رُمح إلا انتزعناه وألقيناه».

قلت: وفي «الصحيحين»٢ من حديث نافع بن جُبَير عن ابن عباس قال: قدم مسيلمة الكذاب على عهد رسول الله ﷺ المدينة فجعل يقول: إن جعل لي محمدٌ الأمرَ مِن بعده اتَّبعتُه، وقدمها في بشر كثير من قومه، فأقبل النبيُّ ﷺ ومعه ثابت بن قيس بن شمَّاس، وفي يد النبي ﷺ قطعة جريدٍ، حتى وقف على مسيلمة في أصحابه فقال: «إن سألتَني هذه القطعة ما أعطيتُكها، ولن تعدو أمر الله فيك، ولئن أدبرت ليَعقِرنَّك الله، وإني أراك الذي أُريت فيه ما رأيت، وهذا ثابت بن قيس يجيبك عني» ثم انصرف. قال ابن عباس: فسألت عن قول النبي ﷺ: «إنك الذي أريت فيه ما رأيت»، فأخبرني أبو هريرة أن النبي ﷺ قال: «بينا أنا نائم رأيتُ في يديَّ سِوارين من ذهب،

  1. (١) برقم (٤٣٧٦)، واللفظ أشبه بلفظ البيهقي في «الدلائل» (٥/ ٣٣٣). وفي المطبوع غُيِّر بعض ألفاظه واستُبدل بها ألفاظ البخاري، فخرج الحديث مرقّعًا ملفّقًا، لا هو بالذي كتب المؤلف، ولا الذي في «الدلائل»، ولا الذي عند البخاري!
  2. (٢) البخاري (٤٣٧٣) ومسلم (٢٢٧٣) واللفظ أشبه بلفظ «الدلائل» (٥/ ٣٣٤).
771

فأهمَّني شأنهما، فأوحي إليَّ في المنام أن: انفُخْهما، فنفختهما فطارا، فأولتهما كذَّابيَن يخرجان من بعدي، فهذان هما: أحدهما العَنْسي صاحب صنعاء، والآخر مسيلمة صاحب اليمامة». وهذا أصح من حديث ابن إسحاق المتقدم.

وفي «الصحيحين»١ من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «بينا أنا نائم إذ أتيتُ بخزائن الأرض، فوُضِع في يديَّ سِواران من ذهب، فكَبُرا عليَّ وأهماني، فأوحِيَ إليَّ أن: انفخهما، فنفختُهما فذهبا، فأوَّلتُهما الكذابين اللَّذَين أنا بينهما: صاحب صنعاء وصاحب اليمامة».

فصل

في فقه هذه القصة

فيها: جواز مكاتبة الإمام لأهل الردة إذا كان لهم شوكة، ويَكتب لهم ولإخوانهم من الكفار: سلام على من اتبع الهدى.

ومنها: أن الرسول لا يُقتَل ولو كان مرتدًّا، هذه السنة.

ومنها: أن للإمام أن يأتي بنفسه إلى من قدم يريد لقاءه من الكفار.

ومنها: أن الإمام ينبغي له أن يستعين برجلٍ من أهل العلم يجيب عنه أهلَ الاعتراض والعناد.

ومنها: توكيل العالم لبعض أصحابه أن يتكلَّم عنه ويجيب عنه.

ومنها: أن هذا الحديث من أكبر فضائل الصديق، فإن النبي ﷺ نفخ السوارين برُوحه٢ فطارا، وكان الصديق هو ذلك الرُّوح الذي نفخ مسيلمة

  1. (١) البخاري (٤٣٧٤) ومسلم (٢٢٧٤).
  2. (٢) أي: بنفخه.
772

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي