قال ابن عبد البر١: وقيل: بل مات في آخر خلافة عمر. وله ابنان: مُكْنِف وحُريث، أسلما وصحبا رسول الله ﷺ وشهدا قتال أهل الردة مع خالد.
فصل
في قدوم وفد كِندة على رسول الله - ﷺ -
قال ابن إسحاق٢: حدثني الزهري قال: قدم الأشعث بن قيس على رسول الله ﷺ في ثمانين أو ستين راكبًا من كندة، فدخلوا عليه مسجدَه، قد رجَّلوا جُمَمهم وتسلَّحوا٣ ولبسوا جُباب الحِبَرات مكفَّفةً بالحرير، فلما دخلوا قال رسول الله ﷺ: «أولم تسلموا؟» قالوا: بلى، قال: «فما هذا الحرير في أعناقكم؟» فشقُّوه ونزعوه وألقَوه.
ثم قال الأشعث: يا رسول الله، نحن بنو آكِل المُرار وأنت ابن آكل المرار، فضحك رسول الله ﷺ ثم قال: «ناسِبْ٤ بهذا النسب ربيعةَ بن الحارث والعباس بن عبد المطلب».
قال الزهري أو٥ ابن إسحاق: كانا تاجرين، وكانا إذا سارا في أرض
(١) في «الاستيعاب» (٢/ ٥٥٩)، والنقل من «عيون الأثر» (٢/ ٢٣٧).
(٢) كما في «سيرة ابن هشام» (٢/ ٥٨٥) و«الدلائل» (٥/ ٣٧٠) وعنه صدر المؤلف.
(٣) كذا في جميع الأصول والنسخ المطبوعة، والظاهر أنه تصحيف عن «تكحَّلُوا» كما عند ابن هشام والبيهقي.
(٤) المطبوع: «ناسبوا»، وهو لفظ ابن هشام. والمثبت من الأصول لفظ البيهقي كما في مخطوطة «الدلائل».
(٥) في ن، والنسخ المطبوعة: واو العطف خلافًا لسائر الأصول، ووجه تردّد المؤلف أنّه لم يُصرَّح بالقائل في الخبر.
العرب فسئلا من أنتما؟ قالا: نحن بنو آكل المرار، يتعزَّزون بذلك في العرب ويدفعون به عن أنفسهم، لأن بني آكل المرار من كندة كانوا ملوكًا. قال رسول الله ﷺ: «نحن بنو النضر بن كنانة لا نقفو أمنا ولا ننتفي من أبينا».
وفي «المسند»١ من حديث حماد بن سلمة عن عقيل بن طلحة عن مسلم بن هيصم٢ عن الأشعث بن قيس قال: قدمنا على رسول الله ﷺ وفد كندة، ولا يرون إلا أني أفضلهم، قلت: يا رسول الله، ألستم منا؟ قال: «لا، نحن بنو النضر بن كنانة لا نقفو أمنا ولا ننتفي من أبينا»، فكان الأشعث يقول: لا أوتى برجل نفى رجلًا من قريش من النضر بن كنانة إلا جلدته الحد.
وفي هذا من الفقه: أن من كان من ولد النضر بن كنانة فهو من قريش.
وفيه: جواز إتلاف المال المحرَّم استعمالُه كثياب الحرير على الرجال، وأن ذلك ليس بإضاعة.
والمُرار: هو شجر من شجر البوادي، وآكل المرار هو: الحارث بن عمرو بن حُجر بن عمرو بن معاوية بن كندة٣، وللنبي ﷺ جدة من كندة
(١) برقم (٢١٨٣٩، ٢١٨٤٥)، وأخرجه أيضًا الطيالسي (١١٤٥) وابن ماجه (٢٦١٢) والبيهقي في «الدلائل» (٥/ ٣٧١) ــ واللفظ له ــ من طرق عن حماد بن سلمة به. وإسناده جيِّد كما قال الحافظ ابن كثير. انظر: «البداية والنهاية» (٣/ ٢٢١) و«أنيس الساري» (٣٨٥٢).
(٢) ف، ب، ز، ن: «مِشكَم». وتصّحف في د، س، ث إلى «مسلم» وفي الطبعة الهندية إلى «أشكم». ومسلم بن مشكم تابعي آخر ليس براوي هذا الحديث، والمثبت هو الراوي كما في جميع مصادر التخريج.
(٣) كذا قال ابن هشام (٢/ ٥٨٦)، وتبعه ابن سيد الناس في «عيون الأثر» (٢/ ٢٤٢) ثم ذكر أنه قيل: إن آكل المرار هو جدُّه حُجر بن عمرو. قلت: وهو المشهور عند أهل الأنساب. انظر: «نسب معد واليمن» لابن الكلبي (١/ ١٦٨) و«جمهرة أنساب العرب» (ص ٤٢٧، ٤٢٨) و«نهاية الأرب» للقلقشندي (ص ٤٣، ٤٥).