رسول الله ﷺ فأراد أن يُلاعنهما فقال أحدهما لصاحبه: لا تلاعنه، فوالله لئن كان نبيًّا فلاعنتَه لا نفلح نحن ولا عقبُنا مِن بعدنا؛ قالوا له: نعطيك ما سألتَ فابعث معنا رجلًا أمينًا ولا تبعث معنا إلا أمينًا، فقال النبي ﷺ: «لأبعثن معكم رجلًا أمينًا حقَّ أمينٍ»، فاستشرف لها أصحابُه، فقال: «قُم يا أبا عبيدة بن الجراح»، فلما قام قال: «هذا أمين هذه الأمة».
ورواه البخاري في «صحيحه»١ من حديث حذيفة بنحوه.
وفي «صحيح مسلم»٢ من حديث المغيرة بن شعبة قال: بعثني رسول الله ﷺ إلى نجران فقالوا فيما قالوا: أرأيت ما تقرأون: ﴿يَاأُخْتَ هَارُونَ﴾[مريم: ٢٨]، وقد كان بين عيسى وموسى ما قد علمتم، قال: فأتيت النبي ﷺ فأخبرته، فقال: «أفلا أخبرتَهم أنهم كانوا يُسمُّون ــ يعني ــ بأسماء أنبيائهم والصالحين الذين كانوا قبلهم».
ورُوينا٣ عن يونس بن بكير عن ابن إسحاق قال: وبعث رسول الله ﷺ علي بن أبي طالب إلى أهل نجران ليجمع صدقاتهم ويَقْدَمَ عليه بجزيتهم.
(١) برقم (٤٣٨٠)، وهو عند مسلم (٢٤٢٠) مختصرًا.
(٢) برقم (٢١٣٥)، واللفظ للبيهقي في «الدلائل» (٥/ ٣٩٣).
(٣) أي: من طريق البيهقي في «الدلائل» (٥/ ٣٩٤).
فصل
في فقه هذه القصة
ففيها: جواز دخول أهل الكتاب مساجد المسلمين.
وفيها: تمكين أهل الكتاب من صلاتهم بحضرة المسلمين وفي مساجدهم أيضًا إذا كان ذلك عارضًا، ولا يمكَّنون من اعتياد ذلك.
وفيها: أن إقرار الكافر١ الكتابي للرسول ﷺ بأنه نبي لا يدخله في الإسلام ما لم يلتزم طاعته ومتابعته، فإذا تمسك بدينه بعد هذا الإقرار لا يكون ردَّةً منه.
ونظير هذا قول الحَبرَين له وقد سألاه عن ثلاث مسائل، فلما أجابهم٢ قالا: نشهد أنك نبي، قال: «فما يمنعكما من اتباعي؟» قالا: إنَّا نخاف أن تقتلنا يهود٣، ولم يلزمهما بذلك الإسلام.
(١) النسخ المطبوعة: «الكاهن»، تصحيف.
(٢) كذا في جميع الأصول. وفي النسخ المطبوعة: «أجابهما».
(٣) أخرجه أحمد (١٨٠٩٢) والترمذي وصححه (٢٧٣٣، ٣١٤٤) والنسائي في «المجتبى» (٤٠٧٨) و«الكبرى» (٣٥٢٧) والحاكم (١/ ٩) والضياء في «المختارة» (٨/ ٢٨ - ٣٠) من حديث عمرو بن مرّة عن عبد الله بن سلمة عن صفوان بن عسَّال ﵁، وفيه أنهما جاءا ليسألا رسول الله ﷺ عن تسع الآيات البينات التي آتاها الله موسى. وفي إسناده لين لأن عبد الله بن سلمة هذا مختلف فيه، وفي متنه نكارة. قال النسائي في «الكبرى» عقب الحديث: «هذا حديث منكر. حُكي عن شعبة قال: سألت عمرو بن مرّة عن عبد الله بن سلمة فقال: تعرف وتنكر». وانظر: «تفسير ابن كثير» (الإسراء: ١٠١) وتعليق محققي «المسند» (طبعة الرسالة).