زاد المعاد

فصل

في فقه هذه القصة

ففيها: جواز دخول أهل الكتاب مساجد المسلمين.

وفيها: تمكين أهل الكتاب من صلاتهم بحضرة المسلمين وفي مساجدهم أيضًا إذا كان ذلك عارضًا، ولا يمكَّنون من اعتياد ذلك.

وفيها: أن إقرار الكافر١ الكتابي للرسول ﷺ بأنه نبي لا يدخله في الإسلام ما لم يلتزم طاعته ومتابعته، فإذا تمسك بدينه بعد هذا الإقرار لا يكون ردَّةً منه.

ونظير هذا قول الحَبرَين له وقد سألاه عن ثلاث مسائل، فلما أجابهم٢ قالا: نشهد أنك نبي، قال: «فما يمنعكما من اتباعي؟» قالا: إنَّا نخاف أن تقتلنا يهود٣، ولم يلزمهما بذلك الإسلام.

  1. (١) النسخ المطبوعة: «الكاهن»، تصحيف.
  2. (٢) كذا في جميع الأصول. وفي النسخ المطبوعة: «أجابهما».
  3. (٣) أخرجه أحمد (١٨٠٩٢) والترمذي وصححه (٢٧٣٣، ٣١٤٤) والنسائي في «المجتبى» (٤٠٧٨) و«الكبرى» (٣٥٢٧) والحاكم (١/ ٩) والضياء في «المختارة» (٨/ ٢٨ - ٣٠) من حديث عمرو بن مرّة عن عبد الله بن سلمة عن صفوان بن عسَّال ﵁، وفيه أنهما جاءا ليسألا رسول الله ﷺ عن تسع الآيات البينات التي آتاها الله موسى. وفي إسناده لين لأن عبد الله بن سلمة هذا مختلف فيه، وفي متنه نكارة. قال النسائي في «الكبرى» عقب الحديث: «هذا حديث منكر. حُكي عن شعبة قال: سألت عمرو بن مرّة عن عبد الله بن سلمة فقال: تعرف وتنكر». وانظر: «تفسير ابن كثير» (الإسراء: ١٠١) وتعليق محققي «المسند» (طبعة الرسالة).
806

ونظير ذلك شهادة عمِّه أبي طالب له بأنه صادق وأن دينه من خير أديان البرية١، ولم تُدخله هذه الشهادة في الإسلام.

ومن تأمل ما في السيرة والأخبار الثابتة من شهادة كثير من أهل الكتاب والمشركين له ﷺ بالرسالة وأنه صادق، فلم تدخلهم هذه الشهادة في الإسلام= علم أن الإسلام أمرٌ وراءَ ذلك، وأنه ليس هو المعرفة فقط، ولا المعرفة والإقرار فقط، بل المعرفة والإقرار والانقياد والتزام طاعته ودينه ظاهرًا وباطنًا.

وقد اختلف أئمة الإسلام في الكافر إذا قال: أشهد أن محمدًا رسول الله ولم يَزِد، هل يُحكم بإسلامه بذلك؟ على ثلاثة أقوال، وهي ثلاث روايات عن الإمام أحمد:

إحداها: يُحكم بإسلامه بذلك.

والثانية: لا يحكم بإسلامه حتى يأتي بشهادة أن لا إله إلا الله.

والثالثة: أنه إن كان مُقرًّا بالتوحيد حكم بإسلامه، وإن لم يكن مُقرًّا لم يحكم بإسلامه حتى يأتي به٢.

وليس هذا موضع استيفاء هذه المسألة، وإنما أشرنا إليها إشارةً، وأهلُ الكتابين مُجمِعون على أن نبيًّا يخرج في آخر الزمان، وهم ينتظرونه، ولا يشك علماؤهم في أنه محمد بن عبد الله بن عبد المطلب، وإنما يمنعهم من الدخول في الإسلام رئاستهم على قومهم وخضوعُهم لهم وما ينالونه منهم من المال والجاه.

  1. (١) وذلك في أبيات ذكرها عنه ابن إسحاق. انظر: «دلائل النبوة» (٢/ ١٨٨).
  2. (٢) انظر: «المغني» (١٢/ ٢٨٩) و«الفروع» (١٠/ ١٩٧).
807

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي