زاد المعاد

وأبلغ١ من ذلك أنه يجيب دعواتِه ويُهلك أعداءَه من غير فعل منه نَفسِه ولا سببٍ، بل تارةً بدعائه وتارةً يستأصلهم سبحانه من غير دعاء منه ﷺ. ومع ذلك يقضي له كلَّ حاجةٍ سأله إياها، ويَعِده كلَّ وعد جميل ثم ينجز له وعده على أتمِّ الوجوه وأهنئها وأكملها. هذا وهو عندكم في غاية الكذب والافتراء والظلم، فإنه لا أكذب ممن كذب على الله واستمر على ذلك، ولا أظلم ممن أبطل شرائع أنبيائه ورسله وسعى في رفعها من الأرض وتبديلها بما يريد هو، وقتل أولياءه وحزبه وأتباع رسله واستمرَّت نصرته عليهم دائمًا، والله تعالى في ذلك كلِّه يُقرُّه ولا يأخذ منه باليمين ولا يقطع منه الوتين وهو يخبر عن ربه أنه أوحى إليه أنه لا أظلمَ ممن افترى على الله كذبًا، أو قال أوحي إلي ولم يوح إليه شيء، ومن قال سأنزل مثل ما أنزل الله٢؛ فيلزمكم ــ معاشر من كذَّبه ــ أحدُ أمرين لا بد لكم منهما:

إما أن تقولوا: لا صانعَ للعالَم ولا مدبِّر، ولو كان للعالم صانع مدبر قدير حكيم لأخذ على يديه وقابَلَه أعظمَ مقابلةٍ وجعله نكالًا للصالحين٣، إذ لا يليق بالملوك غيرُ هذا، فكيف بملك الأرض والسماوات وأحكم الحاكمين؟!

الثاني: نسبة الرب إلى ما لا يليق به من الجَور والسفه والظلم، وإضلالِ الخلق دائمًا أبد الآباد، ونُصرةِ الكاذب والتمكين له في الأرض، وإجابة

  1. (١) في النسخ المطبوعة: «وأعجب».
  2. (٢) يشير إلى قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَنْ قَالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ [الأنعام: ٩٣].
  3. (٣) أي عبرة لهم. وفي ث، س، المطبوع: «للظالمين».
809

دعواته وقيامِ أمره من بعده، وإعلاءِ كلماته دائمًا، وإظهار دعوته والشهادة له بالنبوة قرنًا بعد قرن على رؤوس الأشهاد في كل مَجمعٍ ونادٍ؛ فأين هذا مِن فعل أحكم الحاكمين وأرحم الراحمين؟! فلقد قدحتم في رب العالمين أعظمَ قدح وطعنتم فيه أشدَّ طعنٍ أو١ أنكرتموه بالكلية.

ونحن لا ننكر أن كثيرًا من الكذابين قام في الوجود وظهرت له شوكة ولكن لم يتمَّ له أمره ولم تَطُلْ مُدَّته، بل سَلَّط عليه رُسُلَه وأتباعهم فمحقوا أثره وقطعوا دابره واستأصلوا شأفته. هذه سنته في عباده منذ قامت الدنيا وإلى أن يرث الأرض ومن عليها.

فلما سمع مني هذا الكلام قال: معاذ الله أن نقول إنه ظالم أو كاذب، بل كل مُنصفٍ من أهل الكتاب يقرُّ بأن من سلك طريقه واقتفى أثره فهو من أهل النجاة والسعادة في الأخرى. قلت له: فكيف يكون سالك طريق الكذَّاب ومقتفي أثره بزعمكم من أهل النجاة والسعادة؟ فلم يجد بُدًّا من الاعتراف برسالته ولكن لم يُرسَل إليهم. قلت: فقد لزمك تصديقُه ولا بد، وهو قد تواتر عنه الأخبار بأنه رسول رب العالمين إلى الناس كافَّةً كتابيِّهم وأُميِّهم، ودعا أهل الكتاب إلى دينه، وقاتل من لم يدخل في دينه منهم حتى أقرَّ بالصغار والجزية؛ فبُهت الكافر ونهض من فوره.

والمقصود: أن رسول الله ﷺ لم يزل في جدال الكفار على اختلاف مللهم ونحلهم إلى أن توفي، وكذلك أصحابه من بعده، وقد أمر الله سبحانه

  1. (١) كذا في ف، ب، الطبعة الهندية. وفي سائر الأصول: واو العطف، وكذا في طبعة الرسالة.
810

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي