منهم. والفقهاء يخصون الجِزية بهذا القسم دون الأول، وكلاهما جزية، فإنه مال مأخوذ من الكفار على وجه الصَّغار في كل عام.
وفيها: جواز ثبوت الحلل في الذمَّة، كما تثبت في الدية أيضًا١. وعلى هذا فيجوز ثبوتها في الذمة بعقد السَّلَم وبالضمان وبالتَّلَف، كما تثبت فيها بعقد الصَّداق والخُلع.
ومنها: أنه يجوز معاوضتهم على ما صالحوا عليه من المال بغيره من أموالهم بحسابه.
ومنها: اشتراط الإمام على الكفار أن يؤووا رسله ويُكرموهم ويضيفوهم أيامًا معدودةً.
ومنها: جواز اشتراطه عليهم عارية ما يحتاج المسلمون إليه من سلاح أو متاع وحيوان٢، وأن تلك العارية مضمونة، لكن هل هي مضمونة بالشرط أو بالشرع؟ هذا محتمِل، وقد تقدم الكلام عليه في غزوة حنين٣، وقد صرَّح هاهنا بأنها مضمونة بالرد، ولم يتعرض لضمان التلف.
ومنها: أن الإمام لا يقرُّ أهل الكتاب على المعاملات الربوية، لأنها حرام في دينهم. وهذا كما لا يقرُّهم على السُّكر ولا على اللواط والزنا، بل يحدُّهم على ذلك.
(١) وذلك أن عمر ﵁ لمَّا استخلف فرض مقادير الدية من كلٍّ من الذهب والوَرِق والبقر والشاء والحُلَل ما يُعادل المائة من الإبل، ففرض على أهل الحُلَل مائتَي حُلَّة. انظر: «سنن أبي داود» (٤٥٤٢) و«الأوسط» لابن المنذر (١٣/ ١٤٨ - ١٤٩).
(٢) ز، ن، المطبوع: «أو حيوان».
(٣) (ص ٥٩٨ - ٦٠٠).
ومنها: أنه لا يجوز أن يؤخذ من الكفار رجلٌ بظلمِ آخرَ، كما لا يجوز ذلك في حق المسلمين وكلاهما ظلم.
ومنها: أن عقد العهد والذمة مشروط بنصح أهل العهد والذمة وإصلاحهم، فإذا غشُّوا المسلمين وأفسدوا١ فلا عهد لهم ولا ذمة. وبهذا أفتينا نحن وغيرنا في انتقاض عهدهم لما حرَّقوا الحريق العظيم في دمشق حتى سرى إلى الجامع، وبانتقاض عهد من واطأهم وأعانهم بوجهٍ ما، بل ومن علم ذلك ولم يرفعه إلى ولي الأمر؛ فإن هذا من أعظم الغش والضرر بالإسلام والمسلمين٢.
ومنها: بعث الإمام الرجل العالِم إلى أهل الهدنة في مصلحة الإسلام، وأنه ينبغي أن يكون أمينًا، وهو الذي لا غرض له ولا هوى، وإنما مراده مجرَّد مرضاة الله ورسوله لا يشوبها بغيرها؛ فهذا هو الأمين حقَّ الأمين، كحال أبي عبيدة بن الجراح.
ومنها: مناظرة أهل الكتاب وجوابهم عمَّا سألوه عنه، فإن أشكل على المسؤول سأل أهل العلم.
ومنها: أن الكلام عند الإطلاق يُحمَل على ظاهره حتى يقوم دليل على خلافه، وإلا لم يشكل على المغيرة قوله تعالى: ﴿يَاأُخْتَ هَارُونَ﴾[مريم: ٢٨]، هذا وليس في الآية ما يدل على أنه هارون بن عمران حتى يَلزم الإشكال، بل المُورِد ضمَّ إلى هذا أنه هارون بن عمران، ولم يكتفِ بذلك
(١) أُقحم في طبعة الرسالة بعده: «في دينهم»، ولا وجود له في شيء من الأصول ولا في الطبعات السابقة.