ثم جاؤوا إلى رسول الله ﷺ يودِّعُونه فأرسل إليهم بلالًا فأجازهم بأرفع ما كان يجيز به الوفود، قال: «هل بقي منكم أحد؟» قالوا: غلام خلَّفناه على رحالنا هو أحدثنا سنًّا، قال: «أرسلوه إلينا»، فلما رجعوا إلى رحالهم قالوا للغلام: انطلق إلى رسول الله ﷺ فاقضِ حاجتك منه فإنا قد قضينا حوائجنا منه وودَّعْناه، فأقبل الغلام حتى أتى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله إني امرؤ من بني أبذى١ ــ يقول: من الرهط الذين أتوك آنفًا فقضيت حوائجهم ــ فاقضِ حاجتي يا رسول الله، قال: «وما حاجتك؟» قال: إن حاجتي ليست كحاجة أصحابي وإن كانوا قدموا راغبين في الإسلام وساقوا ما ساقوا من صدقاتهم، وإني والله ما أعمَلَني٢ من بلادي إلا أن تسأل الله ﷿ أن يغفر لي ويرحمني وأن يجعل غناي في قلبي، فقال رسول الله ﷺ وأقبل إلى الغلام: «اللهم اغفر له وارحمه واجعل غناه في قلبه»، ثم أمر له بمثل ما أمر به لرجل من أصحابه، فانطلقوا راجعين إلى أهليهم.
ثم وافوا رسول الله ﷺ في الموسم بمنًى سنة عشر، فقالوا: نحن بنو أبذى، فقال رسول الله ﷺ: «ما فعل الغلام الذي أتاني معكم؟» قالوا: يا رسول الله، ما رأينا مثلَه قط، ولا حُدِّثنا بأقنع منه بما رزقه الله، لو أن الناس اقتسموا الدنيا ما نظر نحوها ولا التفت إليها، فقال رسول الله ﷺ: «الحمد لله، إني لأرجو أن يموت جميعًا»، فقال رجل منهم: أوليس يموت الرجل جميعًا يا رسول الله؟ فقال رسول الله ﷺ: «تَشَعَّبُ أهواؤه وهمومه في أودية الدنيا، فلعل أجلَه أن يدركه في بعض تلك الأودية فلا يبالي الله ﷿ في
(١) بطن من تجيب، وهو أبذى بن عدي بن أشرس.
(٢) أي: ما حثَّني وساقني.
أيِّها هلك»١، قالوا: فعاش ذلك الرجل فينا على أفضل حال وأزهده في الدنيا وأقنعِه بما رُزق.
فلما توفي رسول الله ﷺ ورجع من رجع من أهل اليمن عن الإسلام قام في قومه فذكَّرهم الله والإسلام، فلم يرجع منهم أحد. وجعل أبو بكر الصديق يَذْكره ويسأل عنه حتى بلغه حالُه وما قام به، فكتب إلى زياد بن لبيد٢ يوصيه به خيرًا٣.
فصل
في قدومِ وفد بني سعدِ هُذَيمٍ من قُضاعة
قال الواقدي٤: عن أبي٥ النعمان عن أبيه من بني سعدِ هُذَيمٍ: قدمت على رسول الله ﷺ وافدًا في نفر من قومي، وقد أوطأ رسولُ الله ﷺ البلاد غلبةً وأداخ العرب، والناس صنفان: إما داخل في الإسلام راغب فيه، وإما
(١) يشهد لهذا القدر حديثُ ابن عمر مرفوعًا: «من جعل الهموم همًّا واحدًا كفاه الله همَّ دنياه، ومن تشعَّبت به الهموم لم يُبال الله في أيّ أودية الدنيا هلك». أخرجه ابن أبي عاصم في «الزهد» (١٦٦) والحاكم (٢/ ٤٤٣) بإسناد حسن.
(٢) الأنصاري الخزرجي، البدري، عامل النبي ﷺ ثم أبي بكر على حضرموت.
(٣) خبر الوفد بتمامه من «عيون الأثر» (٢/ ٢٤٦ - ٢٤٨). وهو في «طبقات ابن سعد» (١/ ٢٧٩) عن الواقدي بإسناده، ولكن ابن سعدٍ لم يسقه بطوله.
(٤) كما في «طبقات ابن سعد» (١/ ٢٨٤) عنه أنه قال: أخبرنا محمد بن عبد الله ابن أخي الزهري، عن أبي عمير الطائي، عن أبي النعمان به. إلا أن ابن سعدٍ لم يسق الخبر بطوله. وإنما نقله عن الواقدي بطوله الكلاعيُّ في «الاكتفاء» (١: ٢/ ٣٣٥)، ثم عنه ابن سيد الناس في «عيون الأثر» (٢/ ٢٤٨) وهو مصدر المؤلف.
(٥) في مطبوعة «الاكتفاء» و«عيون الأثر»: «ابن». والمثبت من الأصول موافق لمطبوعة «طبقات ابن سعد». ولم أتبيَّن الصواب.