ﷺ من تبوك قدم عليه وفدُ بني فزارة بضعة عشر رجلًا فيهم: خارجة بن حِصن، والحُرُّ١ بن قيس ابن أخي عيينة بن حصن ــ وهو أصغرهم ــ، فنزلوا في دار بنت الحارث٢، وجاؤوا رسول الله ﷺ مُقرِّين بالإسلام، وهم مُسْنِتُون٣ على رِكابٍ عِجافٍ، فسألهم رسول الله ﷺ عن بلادهم، فقال أحدهم: يا رسول الله، أسنتَتْ بلادُنا وهلكت مواشينا وأجدب جَنابُنا وغَرِث عِيالنا٤، فادع لنا ربك يُغِثْنا٥، واشفع لنا إلى ربك وليشفَعْ لنا ربُّك إليك، فقال رسول الله ﷺ: «سبحان الله! ويلك، هذا إنما٦ شفعتُ إلى ربي ﷿، فمن الذي يشفع ربُّنا إليه؟ لا إله إلا هو العظيم وسع كرسيه السماوات والأرض، فهي تئِطُّ من عظمته وجلاله كما يئط الرَّحْل الجديد»٧.
(١) كذا على الصواب في س، ولم يتضح في ب، وأما سائر الأصول فتصحّف فيه إلى: «الحسن».
(٢) كذا في الأصول دون ذكر اسمها تبعًا لـ «عيون الأثر». وفي المطبوع: «دار رملة بنت الحارث»، وهو كذلك عند ابن سعد والبيهقي.
(٣) أي: مُجدبون، يقال: أَسْنَتَ القومُ إذا أصابتهم السَّنةُ وهي الجدب والقحط.
(٤) أي: أجدبت ناحيتنا ومحلَّتُنا، وجاع عيالنا.
(٥) ن، والنسخ المطبوعة: «يغيثنا».
(٦) كذا في الأصول، والذي في «عيون الأثر»: «هذا أنا». وكذا في «الدلائل»، إلا أنه مضبّب عليه في مخطوطته (نسخة الكوبريلي) وفي هامشه: «هَبْ أني».
(٧) لهذا القدر شاهد من حديث جبير بن مطعم عند أبي داود (٤٧٢٦) وإسناده حسن في الشواهد. انظر: «تهذيب السنن» للمؤلف (٣/ ٢٢٧ - ٢٣٦).
وقال رسول الله ﷺ: «إن الله ﷿ لَيضحك مِن شَفَقِكم وأَزْلِكم١ وقُرب غياثكم» فقال الأعرابي: يا رسول الله، ويضحك ربنا ﷿؟ قال: «نعم»، فقال الأعرابي: لن يَعْدَمك من ربٍّ يضحَك خيرٌ٢، فضحك النبي ﷺ من قوله٣.
وصعد المنبر فتكلَّم بكلماتٍ، وكان لا يرفع يديه في شيء من الدعاء إلا رَفْعَ الاستسقاء، فرفع يديه حتى رُئي بياض إبطيه، وكان مما حَفِظ من دعائه: «اللهم اسق بلادك وبهائمك، وانشر رحمتك، وأحيِ بلادَك الميت، اللهم اسقنا غيثًا مُغيثًا مُريحًا٤ مَرِيعًا طبَقًا واسعًا، عاجلًا غير آجل، نافعًا غير ضار، اللهم سقيا رحمة لا سقيا عذاب، ولا هدمٍ ولا غَرَقٍ ولا مَحْقٍ، اللهم اسقنا الغيث وانصرنا على الأعداء»٥.
(١) الشَّفَق: الخوف، وقد تحرّف في المطبوع إلى: «شغفكم». والأَزْل: الضيق والشدة والقحط.
(٢) د، المطبوع: «لن نعدم من ربٍّ يضحك خيرًا»، وكذا في مطبوعة «الدلائل». والمثبت من عامّة الأصول هو لفظ «عيون الأثر»، وكذا كان في مخطوطة «الدلائل» إلا أنه غُيِّر إلى ما في مطبوعته.
(٣) لهذه الفقرة شاهد من حديث أبي رَزِين العُقيلي وافد بني المنتفق، وسيأتي (ص ٨٥١).
(٤) في المطبوع: «مَريئًا»، وهو المشهور في غير ما حديث في الاستسقاء. والمثبت من عامّة الأصول موافق لـ «عيون الأثر».
(٥) لهذا الدعاء شاهد ببعضه من حديث جابر، وببعضه من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدِّه. أخرجهما أبو داود (١١٦٩، ١١٧٦)، وقد أُعِلَّا بالإرسال، كما سبق في تخريجهما في فصل في هديه ﷺ في الاستسقاء (١/ ٥٧٩).