غرض المؤلف من تأليف كتابه هذا واضح من عنوانه: «زاد المعاد في هدي خير العباد»، وله دلالتان بينتان، إحداهما أن موضوع الكتاب هدي النبي ﷺ لا غير، والأخرى أن هذا الهدي هو الزاد النافع يوم القيامة، فيجب على المؤمن أن يتزود به. ولا شك أن المؤلف قد وفِّق في اختيار هذا العنوان كلَّ التوفيق.
وقد صرح ﵀ بغرض الكتاب في غير موضع، فقال في مقدمته: «وإذا كانت سعادة العبد في الدارين معلّقة بهدي النبي ﷺ فيجب على كل من نصح نفسَه وأحبَّ نجاتَها وسعادتَها أن يعرف من هديه وسيرته وشأنه ما يخرج به عن الجاهلين به، ويدخل به في عداد أتباعه وشيعته وحزبه ... وهذه كلمات يسيرة لا يستغني عن معرفتها من له أدنى همة إلى معرفة نبيه ﷺ وسيرته وهديه» (١/ ٥١ - ٥٢).
وكلما بعُد به البحث والنقاش رجع وهو يذكر غرض الكتاب، فقال في موضع: إن «المقصود: التنبيه على هديه واقتباس الأحكام من سيرته ومغازيه ووقائعه صلوات الله وسلامه عليه» (٣/ ١٧٥).
وقال في موضع آخر في كلام مهم: «وليس مقصودنا إلا ذكر هديه ﷺ الذي كان يفعله هو، فإنه قبلة القصد، وإليه التوجه في هذا الكتاب، وعليه مدار التفتيش والطلب، وهذا شيء، والجائز الذي لا ينكر فعله وتركه شيء» (١/ ٣١٨).
وقال أيضا: «وليس لهذا وُضِع كتابنا هذا، ولا قصدنا به نُصرةَ أحدٍ من
العالمين، وإنَّما قصدنا به مجرَّدَ هديِ رسول الله ﷺ في سيرته وأقضيته وأحكامه، وما تضمَّن سوى ذلك فتَبعٌ مقصودٌ لغيره فهَبْ أنَّ من لم يقضِ بالنُّكول تناقضَ، فماذا يَضُرُّ ذلك هديَ رسول الله ﷺ؟» (٥/ ٥٢١).
هذا ما يتعلق بغرضه من تأليف الكتاب، أما ما يتعلق بمنهجه فيه، فقد صرح في أوله وفي أثنائه في مواضع متفرقة بطريقته فيه. ومن الطبيعي أن ينعكس الهدف الذي أنشأ المؤلف كتابه من أجله على طبيعة المادة ومسائل البحث التي أوردها وعلى طريقته في إيرادها، وقد نبَّه إلى قضية مهمة جدًّا في منتصف المجلد الأول تقريبًا، حيث قال: «فنحن لم نتعرض في هذا الكتاب لما يجوز ولما لا يجوز، وإنما مقصودنا فيه هدي النبي ﷺ الذي كان يختاره لنفسه، فإنه أكمل الهدي وأفضله، فإذا قلنا: (لم يكن من هديه المداومة على القنوت في الفجر، ولا الجهر بالبسملة)، لم يدل ذلك على كراهية غيره، ولا أنه بدعة، ولكن هديه ﷺ أكمل الهدي وأفضله» (١/ ٣١٨).
وقد يفصّل ويطيل وينبه لأجل غرض تربويّ تعليميّ، أفصحَ عنه بقوله: «وإنَّما نبَّهنا على مأخَذِها وأدلَّتها ليعلم الغِرُّ الذي بضاعته من العلم مزجاةٌ: أنَّ هناك شيئًا آخر وراء ما عنده، وأنَّه إذا كان ممَّن قَصُر في العلم باعُه، وضَعُف خلفَ الدَّليل، وتقاصرَ عن جَنْي ثمارِه ذراعُه، فليعذر مَن شمَّر عن ساق عزمِه، وحام حولَ آثار رسول الله ﷺ وتحكيمها، والتَّحاكم إليها بكلِّ همَّةٍ». (٥/ ٣٤٤).
وأما معالم منهجه في أقسام الكتاب في سياق الموضوعات وطريقة العرض والإيراد والتحليل، فنشير إليها في السطور الآتية:
المجلد الأول افتتحه المؤلف ﵀ بعد مقدمته بنُبذ في سيرة النبي ﷺ،