وقال رسول الله ﷺ: «إن الله ﷿ لَيضحك مِن شَفَقِكم وأَزْلِكم١ وقُرب غياثكم» فقال الأعرابي: يا رسول الله، ويضحك ربنا ﷿؟ قال: «نعم»، فقال الأعرابي: لن يَعْدَمك من ربٍّ يضحَك خيرٌ٢، فضحك النبي ﷺ من قوله٣.
وصعد المنبر فتكلَّم بكلماتٍ، وكان لا يرفع يديه في شيء من الدعاء إلا رَفْعَ الاستسقاء، فرفع يديه حتى رُئي بياض إبطيه، وكان مما حَفِظ من دعائه: «اللهم اسق بلادك وبهائمك، وانشر رحمتك، وأحيِ بلادَك الميت، اللهم اسقنا غيثًا مُغيثًا مُريحًا٤ مَرِيعًا طبَقًا واسعًا، عاجلًا غير آجل، نافعًا غير ضار، اللهم سقيا رحمة لا سقيا عذاب، ولا هدمٍ ولا غَرَقٍ ولا مَحْقٍ، اللهم اسقنا الغيث وانصرنا على الأعداء»٥.
(١) الشَّفَق: الخوف، وقد تحرّف في المطبوع إلى: «شغفكم». والأَزْل: الضيق والشدة والقحط.
(٢) د، المطبوع: «لن نعدم من ربٍّ يضحك خيرًا»، وكذا في مطبوعة «الدلائل». والمثبت من عامّة الأصول هو لفظ «عيون الأثر»، وكذا كان في مخطوطة «الدلائل» إلا أنه غُيِّر إلى ما في مطبوعته.
(٣) لهذه الفقرة شاهد من حديث أبي رَزِين العُقيلي وافد بني المنتفق، وسيأتي (ص ٨٥١).
(٤) في المطبوع: «مَريئًا»، وهو المشهور في غير ما حديث في الاستسقاء. والمثبت من عامّة الأصول موافق لـ «عيون الأثر».
(٥) لهذا الدعاء شاهد ببعضه من حديث جابر، وببعضه من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدِّه. أخرجهما أبو داود (١١٦٩، ١١٧٦)، وقد أُعِلَّا بالإرسال، كما سبق في تخريجهما في فصل في هديه ﷺ في الاستسقاء (١/ ٥٧٩).
فصل
في قدوم وفد بني أسد
وقدم عليه ﷺ وفد بني أسد١ عشرةُ رهطٍ فيهم وابصة بن معبد وطُليحةُ٢ بن خويلد، ورسول الله ﷺ جالس في المسجد مع أصحابه فسلَّموا وتكلَّمُوا٣، فقال متكلمهم: يا رسول الله، إنا شهدنا أن الله وحده لا شريك له وأنك عبده ورسوله، وجئناك يا رسول الله ولم تَبعث إلينا بعثًا، ونحن لمن وراءنا. قال محمد بن كعب القرظي: فأنزل الله ﷿ على رسوله: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾[الحجرات: ١٧].
وكان مما سألوا رسول الله ﷺ عنه يومئذ: العيافة والكهانة وضرب الحصى، فنهاهم عن ذلك كلِّه، فقالوا: يا رسول الله، إن هذه أمور كنا نفعلها في الجاهلية أرأيت خصلةً بقيت؟ قال: «وما هي؟» قالوا: الخط، قال: «عُلِّمه نبيٌّ من الأنبياء، فمن صادف مثلَ علمِه عَلِم»٤.
(١) «بنو أسد» بطن في عدة قبائل، والمراد هنا بنو أسد بن خزيمة مِن مُضَر مِن العدنانية. انظر: «طبقات ابن سعد» (١/ ٢٥٣) و«نهاية الأرب» (ص ٣٧).
(٢) د، ث، والنسخ المطبوعة: «طلحة»، تصحيف.
(٣) في الأصول: «فتكلموا وتكلموا»، تصحيف، والتصحيح من «عيون الأثر».
(٤) الخبر بحروفه من «عيون الأثر» (٢/ ٢٥٠)، وابن سيد الناس صادر فيه عن «الاكتفاء» (١: ٢/ ٣٣٨). والفقرة الأولى من الخبر أسندها ابن سعد (٦/ ١٥٥) عن الواقدي عن هشام بن سعد عن محمد بن كعب القرظي مرسلًا. وللفقرة الثانية شاهد من حديث معاوية بن حكم السُّلمي عند مسلم (٥٣٧) ومن حديث أبي هريرة عند أحمد (٩١١٧).