ذكر الواقدي١ عن كريمة بنت المقداد قالت: سمعت أمي ضباعة بنت الزبير بن عبد المطلب تقول: قدم وفدُ بهراءَ٢ من اليمن على رسول الله ﷺ وهم ثلاثة عشر رجلًا، فأقبلوا يقودون رواحلهم حتى انتهوا إلى باب المقداد ونحن في منازلنا ببني حُديلة٣، فخرج إليهم المقداد فرحَّب بهم فأنزلهم٤، وجاءهم بجفنة من حَيسٍ قد كنا هيَّأناها قبل أن يحلُّوا لنجلس عليها، فحملها المقداد وكان كريمًا على الطعام فأكلوا منها حتى نهلوا، ورُدَّت إلينا القصعة وفيها أُكَل، فجمعنا تلك الأُكَل في قصعة صغيرة ثم بعثنا بها إلى رسول الله ﷺ مع سدرةَ مولاتي، فوجدَتْه في بيت أم سلمة فقال رسول الله ﷺ: «ضباعة أرسلت بهذا؟» قالت سدرة: نعم يا رسول الله، قال: «ضعي»، ثم قال: «ما فعل ضيف أبي معبد٥؟»
قلت: عندنا، فأصاب منها
(١) وعنه ابن سعد (١/ ٢٨٥) مختصرًا. والخبر بتمامه في «الاكتفاء» (١: ٢/ ٣٣٩) و«عيون الأثر» (٢/ ٢٥١).
(٢) هم بنو بهراء بن عمرو بن الحافي بن قُضاعة. «جمهرة أنساب العرب» (ص ٤٤٠).
(٣) بنو حُدَيلة رهط من بني النجار من الخزرج، ومنهم أُبيّ بن كعب ﵁. وفي ف، ز، ن: «جَدِيلة» بالجيم، وهو خطأ، إذ بنو جَدِيلة بطن في عدة قبائل، وليس منها أحد منازلهم بالمدينة.
(٤) وذلك لأنهم رهطه، فالمقداد بن الأسود بهرانيٌّ، وهو المقداد بن عمرو بن ثعلبة، وإنما قيل له المقداد بن الأسود لأنه رُبّي في حجر الأسود بن عبد يغوث القرشي الزهري. انظر: «جمهرة أنساب العرب» (ص ٤٤١).
(٥) وهي كنية المقداد ..
رسول الله ﷺ أكلًا هو ومَن معه في البيت حتى نَهِلوا وأكلت معهم سدرة، ثم قال: «اذهبي بما بقي إلى ضيفكم»، قالت سدرة: فرجعت بما بقي في القصعة إلى مولاتي، قالت: فأكل منها الضيف ما أقاموا، نُردِّدها عليهم وما تَغيض حتى جعل الضيف يقولون: يا أبا معبد، إنك لتُنهلنا من أحب الطعام إلينا، وما كنا نقدر على مثل هذا إلا في الحين، وقد ذُكر لنا أن الطعام ببلادكم إنما هو العُلَق أو نحوه ونحن عندك في الشبع، فأخبرهم أبو معبد بخبر رسول الله ﷺ أنه أكل منها أُكَلًا وردَّها، فهذه بركة أصابع رسول الله ﷺ، فجعل القوم يقولون: نشهد أنه رسول الله وازدادوا يقينًا، وذلك الذي أراد رسول الله ﷺ.
وتعلَّموا الفرائض وأقاموا أيامًا، ثم جاؤوا رسول الله ﷺ فودَّعُوه١، وأمر لهم بجوائزهم، وانصرفوا إلى أهليهم.
فصل
في قدوم وفد عُذْرة
وقدم عليه ﷺ وفدُ عُذرةَ٢ في صفر سنة تسعٍ اثنا عشر رجلًا فيهم جمرة٣ بن النعمان، فقال رسول الله ﷺ: «من القوم؟» فقال متكلمهم: من لا تُنكره، نحن بنو عُذرة، إخوة قُصَيٍّ لأمه، نحن الذين عضدوا قُصيًّا وأزاحوا من بطن مكة خزاعة وبني بكر، ولنا قرابات وأرحام، قال رسول الله ﷺ: «مرحبًا بكم وأهلًا، ما أعرَفَني بكم!».