فأسلموا وبشرهم رسول الله ﷺ بفتح الشام وهَرَبِ هرقل إلى ممتنع من بلاده، ونهاهم عن سؤال الكاهنة، وعن الذبائح التي كانوا يذبحونها، وأخبرهم أن ليس عليهم إلا الأضحية، فأقاموا أيامًا بدار رملة، ثم انصرفوا وقد أجيزوا١.
فصل
في قدوم وفد بَلِيٍّ
وقدم عليه وفد بَلِيٍّ٢ في ربيع الأول من سنة تسع، فأنزلهم رويفع بن ثابت البَلَوي٣ عنده، وقدم بهم على رسول الله ﷺ وقال: هؤلاء قومي، فقال له رسول الله ﷺ: «مرحبًا بك وبقومك»، فأسلموا وقال لهم رسول الله ﷺ: «الحمد لله الذي هداكم للإسلام، فكل من مات على غير الإسلام فهو في النار».
وقال له أبو الضُّبَيب٤ شيخُ الوفد: يا رسول الله، إني رجلٌ لي٥ رغبةٌ في الضيافة، فهل لي في ذلك أجر؟ قال: «نعم، وكل معروف صنعته إلى غني أو فقير فهو صدقة». قال: يا رسول الله، ما وقت الضيافة؟ قال: «ثلاثة أيام، فما
(١) «عيون الأثر» (٢/ ٢٥١)، وهو في «الاكتفاء» (١: ٢/ ٣٤٠) بأطول منه. وأسنده ابن سعد (١/ ٢٨٦، ٦/ ٣١٤) عن الواقدي بإسناده إلى أبي عمرو بن حريث العُذري قال: وجدت في كتاب آبائي قالوا ... فذكره بنحوه.
(٢) هم بنو بلي بن عمرو بن الحافي بن قُضاعة، وبلي هذا أخو بَهراء الذي سبق قريبًا.
(٣) هو غير رويفع بن ثابت الأنصاري النجاري. انظر: «الإصابة» (٣/ ٥٥٥، ٥٥٦).
كان بعد ذلك فصدقةٌ، ولا يحلُّ للضيف أن يقيم عندك فيُحْرِجَك».
قال: يا رسول الله، أرأيت الضالة من الغنم أجدها في الفلاة من الأرض؟ قال: «لك أو لأخيك أو للذئب»، قال: فالبعير؟ قال: «ما لك وله؟! دَعْه حتى يجده صاحبه»١.
قال رويفع: ثم قاموا فرجعوا إلى منزلي، فإذا رسول الله ﷺ يأتي منزلي يحمل تمرًا فقال: «استعن بهذا التمر»، وكانوا يأكلون منه ومن غيره، فأقاموا ثلاثًا ثم ودَّعوا رسول الله ﷺ، وأجازهم ورجعوا إلى بلادهم٢.
فصل
وفي هذه القصة من الفقه: إن للضيف حقًّا على من نزل به، وهو ثلاث مراتب: حقٌّ واجب، وتمام مستحب، وصدقة من الصدقات. فالحق الواجب يوم وليلة. وقد ذكر النبي ﷺ المراتب الثلاثة في الحديث المتفق على صحته٣ من حديث أبي شُرَيحٍ الخُزاعي أن رسول الله ﷺ قال: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليُكرِمْ ضيفَه جائزتَه»، قالوا: وما جائزته يا رسول الله؟ قال: «يومُه وليلته، والضيافة ثلاثة أيام، فما كان وراء ذلك فهو صدقة، ولا يحل له أن يَثْوِي عنده حتى يُحْرِجَه».
(١) هذه الفقرة لها شاهد من حديث زيد بن خالد الجُهني عند البخاري (٩١) ومسلم (١٧٢٢).
(٢) أسنده ابن سعد (١/ ٢٨٥) عن الواقدي بإسناده إلى رويفع بن ثابت مختصرًا. وهو في «الاكتفاء» (١: ٢/ ٣٤٢) و«عيون الأثر» (٢/ ٢٥٢) بطوله.