أعم من تعريفها وهي باقية أو تعريفها وهي مضمونة في الذمة لمصلحة صاحبها وملتقطها، ولا سيما إذا التقطها في السفر فإن إيجاب تعريفها سنةً فيه من الحرج والمشقة ما لا يأتي١ به الشارع، وفي تركها من تعريضها للإضاعة والهلاك ما ينافي أمرَه بأخذها وإخبارَه أنه إن لم يأخذها كانت للذئب، فيتعين ولا بد إما بيعُها وحفظ ثمنها، وإما أكلُها وضمان قيمتها أو مثلِها.
وأما مخالفة الأصحاب، فالذي اختار التخيير من أكبر أئمة الأصحاب ومن يقاس بشيوخ المذهب الكبار الأجلاء، وهو: أبو محمَّد المقدسي ــ قدَّس الله روحه ــ٢، ولقد أحسن في اختياره التخييرَ كلَّ الإحسان.
وأما مخالفة الدليل فأين في الدليل الشرعي المنعُ من التصرف في الشاة الملتقَطة في المفازة وفي السفر بالبيع والأكل، وإيجابُ تعريفها، والإنفاقُ عليها سنةً مع الرجوع بالإنفاق أو مع عدمه؟ هذا ما لا تأتي به شريعة فضلًا أن يقوم عليه دليل. وقوله ﷺ: «احبس على أخيك ضالته» صريح في أن المراد به أن لا يستأثر بها دونه ويزيل حقه منها، فإذا كان بيعُها وحفظُ ثمنها خيرًا له من تعريفها سنةً والإنفاقِ عليها وتغريمِ صاحبها أضعافَ قيمتها= كان حبسُها وردُّها عليه هو بالتخيير الذي يكون له فيه الحظ، والحديث يقتضيه بفحواه وقوته، وهذا ظاهر، وبالله التوفيق.
ومنها: أن البعير لا يجوز التقاطه، اللهم إلا أن يكون فَلُوًّا صغيرًا لا يمتنع من الذئب ونحوه، فحكمه حكم الشاة بتنبيه النص ودلالته.
(١) النسخ المطبوعة: «يرضى» خلافًا للأصول.
(٢) انظر: «المغني» (٨/ ٣٣٩).
فصل
في قدوم وفد ذي مُرَّة١
وقدم على رسول الله ﷺ وفد ذي مُرَّة ثلاثة عشر رجلًا، رأسهم الحارث بن عوف، فقال: يا رسول الله، إنَّا قومُك وعشيرتك، نحن قوم من بني لؤي بن غالب٢، فتبسم رسول الله ﷺ وقال للحارث: «أين تركت أهلك؟» قال بسلاح٣ وما والاها، قال: «فكيف البلاد؟» فقال: والله إنا لمُسْنِتُون، ما في المال مُخٌّ، فادع الله لنا، فقال رسول الله ﷺ: «اللهم اسقهم الغيث»، فأقاموا أيامًا ثم أرادوا الانصراف إلى بلادهم، فجاؤوا رسول الله ﷺ مودِّعين له، فأمر بلالًا أن يجيزهم فأجازهم بعشرِ أواقٍ عشرِ أواقٍ٤ فضةً، وفضَّل الحارث بن عوف أعطاه اثنتي عشرة أوقيةً، ورجعوا إلى بلادهم فوجدوا البلاد مطيرةً، فسألوا: متى مُطرتم؟ فإذا هو ذلك اليوم الذي دعا رسول الله ﷺ فيه وأخصبت بعد ذلك بلادُهم٥.
(١) كذا في الأصول، والذي في «عيون الأثر» ــ وهو مصدر المؤلف ــ: «وفد بني مرّة». وهم بنو مُرَّة بن عوف بن سعد بن ذُبيان من غَطَفان.
(٢) وذلك أن عوفًا - أبا مُرَّة ــ هو ابن لؤي بن غالب لكنه دخل في بني ذُبيان وآخاه ثعلبة بن سعد بن ذُبيان، فشاع نسبه فيهم. وصار بنو مرَّة أشرافًا في غطفان وسادتهم وقادتهم، وكان الحارث بن عوف المُرِّي هذا أحد القائدَين لغطفان يوم الأحزاب، والآخر: عُيَينة بن حِصن. انظر: «جمهرة أنساب العرب» (ص ١٢، ١٣).
(٣) يُعرف اليوم بقرية العِشاش شماليَّ خيبر، وقد سبق التعريف به (ص ٤٣٨).