وقدم على رسول الله ﷺ وفد مُحاربٍ١ عامَ حجة الوداع، وهم كانوا أغلظ العرب وأفظَّهم على رسول الله ﷺ في تلك المواسم أيام عرضِه نفسَه على القبائل يدعوهم إلى الله، فجاء رسولَ الله ﷺ منهم عشرةٌ نائبين عمَّن وراءَهم مِن قومهم فأسلموا، وكان بلال يأتيهم بغَداءٍ وعَشاءٍ، إلى أن جلسوا مع رسول الله ﷺ يومًا من الظهر إلى العصر فعرف رجلًا منهم فأمدَّه النظر، فلما رآه المحاربي يديم النظر إليه قال: كأنك يا رسول الله توهمني؟ قال: «لقد رأيتك»، قال المحاربي: إي والله لقد رأيتني وكلَّمتني، وكلمتك بأقبح الكلام ورددتك بأقبح الرد بعُكاظ وأنت تطوف على الناس، فقال رسول الله ﷺ: «نعم»، ثم قال المحاربي: يا رسول الله، ما كان في أصحابي أشدُّ عليك يومئذ ولا أبعد عن الإسلام مني، فأحمد الله الذي أبقاني حتى صدَّقت بك، ولقد مات أولئك النفر الذين كانوا معي على دينهم، فقال رسول الله ﷺ: «إن هذه القلوب بيد الله ﷿»، فقال المحاربي: يا رسول الله، استغفر لي من مراجعتي إياك، فقال رسول الله ﷺ: «إن الإسلام يجبُّ ما كان قبله من الكفر»، ثم انصرفوا إلى أهليهم٢.
(١) «محارب» بطن في عدَّة قبائل، والمراد هنا بنو محارب بن خَصَفة بن قيس عَيلان بن مُضر، لأنهم هم المذكورون في القبائل التي عرض النبي ﷺ نفسه عليها في المواسم كما في «طبقات ابن سعد» (١/ ١٨٤)، وقد سبق في «فصل في مبدأ الهجرة».
(٢) «الاكتفاء» (١: ٢/ ٣٥١) و«عيون الأثر» (٢/ ٢٥٤). وأسنده ابن سعد (١/ ٢٥٨) عن الواقدي، عن محمد بن صالح التمَّار، عن أبي وجزة السعدي مرسلًا بنحوه.
فصل
في قدوم وفد صُداءٍ في سنة ثمان
وقدم عليه ﷺ وفد صداء١، وذلك أنه لما انصرف من الجعرانة بعث بعوثًا، وهيَّأ بعثًا استعمل عليهم قيس بن سعد بن عبادة، وعقد له لواءً أبيض ودفع إليه رايةً سوداء وعسكر بناحية قناةَ٢ في أربعمائة من المسلمين وأمره أن يطأ ناحيةً من اليمن كان فيها صُداءٌ.
فقدم على رسول الله ﷺ رجل منهم، وعلم بالجيش فأتى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، جئتك وافدًا على٣ من ورائي، فاردد الجيش وأنا لك بقومي، فردَّ رسول الله ﷺ قيس بن سعد من صدرِ قناةَ، وخرج الصُّدائي إلى قومه، فقدم على رسول الله ﷺ خمسة عشر رجلًا منهم، فقال سعد بن عبادة: يا رسول الله، دعهم ينزلوا عليَّ، فنزلوا عليه فحياهم وأكرمهم وكساهم، ثم راح بهم إلى النبيِّ ﷺ فبايعوه على الإسلام وقالوا: نحن لك على مَن وراءنا مِن قومنا، فرجعوا إلى قومهم ففشا فيهم الإسلام، فوافى رسول الله ﷺ منهم مائة رجل في حجة الوداع. ذكر هذا الواقدي٤ عن بعض بني المصطلق.
وذكر٥ من حديث زياد بن الحارث الصُّدائي أنه الذي قدم على
(١) صُداء بطن من مَذْحِج. «جمهرة أنساب العرب» (ص ٤٧٧).
(٢) هو الوادي الذي بين المدينة وأحد، وقد سبق التعريف به.
(٣) ف: «عن». والمثبت من سائر الأصول موافق لمصدر النقل.
(٤) وعنه ابن سعد (١/ ٢٨٢) مختصرًا. والمؤلف صادر عن «عيون الأثر» (٢/ ٢٥٥).
(٥) أي: الواقدي ــ وعنه ابن سعد (١/ ٢٨٢) مختصرًا ــ عن سفيان الثوري، عن عبد الرحمن بن زياد بن أنعم الإفريقي، عن زياد بن نُعَيم، عن زياد بن الحارث الصدائي. وأخرجه أيضًا الطبراني في «الكبير» (٥/ ٢٦٢) وأبو نعيم في «معرفة الصحابة» (٣٠٤١ - ٣٠٤٣) والبيهقي في «الدلائل» (٥/ ٣٥٥) من طرق عن عبد الرحمن الإفريقي به مطوَّلًا بنحوه. وأخرجه أحمد (١٧٥٣٨) وأبو داود (٥١٤) والترمذي (١٩٩) من طرق عن الإفريقي به مقتصَرًا على قصة الإقامة وقوله ﷺ: «من أذَّن فهو يقيم». قال الترمذي: «لا نعرفه إلا من حديث الإفريقي، وهو ضعيف عند أهل الحديث، ورأيت محمد بن إسماعيل البخاري يُقوِّي أمره ويقول: هو مقارب الحديث». اهـ باختصار وتصرُّف.