رسول الله ﷺ فقال له: اردد الجيش وأنا لك بقومي، فرَدَّهم. قال: وقدم وفد قومي عليه فقال لي: «يا أخا صُداءٍ إنك لَمُطاع في قومك!»، قال: قلت: بلى١ يا رسول الله، مَنُّ اللهِ ﷿ ومَنُّ رسولهِ٢.
وكان زياد هذا مع رسول الله ﷺ في بعض أسفاره قال: فاعتشى رسول الله ﷺ ــ أي: سار ليلًا ــ واعتشينا معه، وكنت رجلًا قويًّا قال: فجعل أصحابه يتفرقون عنه ولزمت غَرْزَه، فلما كان في السحر قال: «أذِّن يا أخا صداءٍ»، فأذنت على راحلتي ثم سرنا حتى ذهبنا فنزل٣ لحاجته ثم رجع فقال: «يا أخا صداء، هل معك ماء؟» قلت: معي شيء في إداوتي، فقال: «هاته»، فجئت به فقال: «صُبَّ»، فصببت ما في الإداوة في القعب، فجعل
(١) المطبوع: «بل»، وكذا في مطبوعة «طبقات ابن سعد». والمثبت من الأصول موافق لمصدر المؤلف.
(٢) كذا ضُبط في نسختين خطيَّتَين من «عيون الأثر»، وإلا فيَحتمِل أن يكون: «مِنَ الله عزوجل ومِن رسوله» كما في طبعة الرسالة.
(٣) كذا في الأصول، والظاهر أنه سبق قلم من المؤلف. والصواب كما في «عيون الأثر»: «حتى نزلنا فذهب».
أصحابه يتلاحقون، ثم وضع كفَّه على الإناء فرأيت بين كلِّ أصبعَين من أصابعه عينًا تفور، ثم قال: «يا أخا صُداءٍ، لولا أني أستَحْيِي من ربي ﷿ سَقينا واستقينا»، ثم توضأ وقال: «أذِّن في أصحابي: من كانت له حاجةِ بالوضوء فليَرِدْ»، قال: فوردوا من آخرهم، ثم جاء بلال يقيم فقال: «إن أخا صداء أذَّن، ومن أذَّن فهو يقيم» فأقمت، ثم تقدم رسول الله ﷺ فصلى بنا.
وكنت سألته قبلُ أن يؤمِّرني على قومي ويكتبَ لي بذلك كتابًا ففعل، فلما سلَّم من صلاته قام رجل يتشكى من عامله فقال: يا رسول الله، إنه أخذَنا بذُحُول١ كانت بيننا وبينه في الجاهلية، فقال رسول الله ﷺ: «لا خيرَ في الإمارة لرجل مسلم»، ثم قام رجل فقال: يا رسول الله، أعطني من الصدقة، فقال رسول الله ﷺ: «إن الله لم يَكِل قسمتَها إلى ملك مُقرَّبٍ ولا نبيٍّ مُرسَل حتى جزَّأَها ثمانية أجزاء، فإن كنتَ جزءًا منها أعطيتك، وإن كنت غنيًّا عنها فإنما هي صُداع في الرأس وداءٌ في البطن» فقلت في نفسي: هاتان خصلتان حين سألت الإمارة وأنا رجل مسلم وسألته من الصدقة وأنا غني عنها، فقلت: يا رسول الله، هذان كتاباك فاقبَلْهما، فقال رسول الله ﷺ: «ولم؟» قلتُ: إني سمعتك تقول: «لا خير في الإمارة لرجل مسلم» وأنا مسلم، وسمعتك تقول: «من سأل من الصدقة وهو غني عنها فإنما هي صداع في الرأس وداء في البطن» وأنا غني، فقال رسول الله ﷺ: «أما إن الذي قلتُ كما قلتُ»، فقبلهما رسول الله ﷺ ثم قال: «دُلَّني على رجل من قومك أستعمله»، فدللته على رجل منهم فاستعمله.
قلت: يا رسول الله، إن لنا بئرًا إذا كان الشتاءُ كفانا ماؤها، وإذا كان