زاد المعاد

أصحابه يتلاحقون، ثم وضع كفَّه على الإناء فرأيت بين كلِّ أصبعَين من أصابعه عينًا تفور، ثم قال: «يا أخا صُداءٍ، لولا أني أستَحْيِي من ربي ﷿ سَقينا واستقينا»، ثم توضأ وقال: «أذِّن في أصحابي: من كانت له حاجةِ بالوضوء فليَرِدْ»، قال: فوردوا من آخرهم، ثم جاء بلال يقيم فقال: «إن أخا صداء أذَّن، ومن أذَّن فهو يقيم» فأقمت، ثم تقدم رسول الله ﷺ فصلى بنا.

وكنت سألته قبلُ أن يؤمِّرني على قومي ويكتبَ لي بذلك كتابًا ففعل، فلما سلَّم من صلاته قام رجل يتشكى من عامله فقال: يا رسول الله، إنه أخذَنا بذُحُول١ كانت بيننا وبينه في الجاهلية، فقال رسول الله ﷺ: «لا خيرَ في الإمارة لرجل مسلم»، ثم قام رجل فقال: يا رسول الله، أعطني من الصدقة، فقال رسول الله ﷺ: «إن الله لم يَكِل قسمتَها إلى ملك مُقرَّبٍ ولا نبيٍّ مُرسَل حتى جزَّأَها ثمانية أجزاء، فإن كنتَ جزءًا منها أعطيتك، وإن كنت غنيًّا عنها فإنما هي صُداع في الرأس وداءٌ في البطن» فقلت في نفسي: هاتان خصلتان حين سألت الإمارة وأنا رجل مسلم وسألته من الصدقة وأنا غني عنها، فقلت: يا رسول الله، هذان كتاباك فاقبَلْهما، فقال رسول الله ﷺ: «ولم؟» قلتُ: إني سمعتك تقول: «لا خير في الإمارة لرجل مسلم» وأنا مسلم، وسمعتك تقول: «من سأل من الصدقة وهو غني عنها فإنما هي صداع في الرأس وداء في البطن» وأنا غني، فقال رسول الله ﷺ: «أما إن الذي قلتُ كما قلتُ»، فقبلهما رسول الله ﷺ ثم قال: «دُلَّني على رجل من قومك أستعمله»، فدللته على رجل منهم فاستعمله.

قلت: يا رسول الله، إن لنا بئرًا إذا كان الشتاءُ كفانا ماؤها، وإذا كان

  1. (١) أي: أثْآر وعداوات، واحده: ذَحْلٌ.
841

الصيف قلَّ علينا فتفرَّقنا على المياه، والإسلام اليومَ فينا قليل ونحن نخاف، فادعُ الله ﷿ لنا في بئرنا، فقال رسول الله ﷺ: «ناوِلْني سبعَ حصياتٍ» فناولته، فعركهن بيده ثم دفعهن إلي وقال: «إذا انتهيت إليها فألق فيها حصاةً حصاةً وسمِّ الله»، قال: ففعلتُ، فما أدركنا لها قعرًا حتى الساعة١.

فصل

في فقه هذه القصة

ففيها: استحباب عقد الألوية والرايات للجيش، واستحباب كون اللواء أبيض وجواز كون الراية سوداء من غير كراهة.

ومنها: قبول خبر الواحد، فإن النبي ﷺ ردَّ الجيش من أجل خبر الصُّدائي وحده.

ومنها: جواز سير الليل كلَّه في السفر إلى الأذان، فإن قوله «اعتشى» أي: سار عشيةً، ولا يقال لما بعد نصف الليل.

وفيها: جواز الأذان على الراحلة.

وفيها: طلب الإمام الماء من أحد رعيته للوضوء، وليس ذلك من السؤال.

وفيها: أنه لا يتيمم حتى يطلب الماء فيُعْوِزَه.

وفيها: المعجزة الظاهرة بفَوَران الماء من بين أصابعه؛ لمَّا وضعها فيه أمدَّه الله به وكثَّره حتى جعل يفور من خلال الأصابع الكريمة. والجهال تظنُّ

  1. (١) الخبر بطوله في «الاكتفاء» (١: ٢/ ٣٥٧) و«عيون الأثر» (٢/ ٢٥٤).
842

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي