الذين مع ربك ﷿، فأصبح ربك ﷿ يطوف في الأرض وخلت عليه البلاد، فأرسل ربُّك السماءَ بهَضْبٍ من عند العرش، فلعَمْرُ إلهِك ما تدع على ظهرها من مَصْرَعِ١ قتيلٍ ولا مَدْفَنِ ميتٍ إلا شَقَّت القبرَ عنه حتى تُخْلِفَه٢ من عند رأسه فيستوي جالسًا، فيقول ربك: مهيم؟ لِما كان فيه، يقول: يا ربِّ أمسِ، اليومَ؛ لعهده بالحياة يحسبه حديثًا بأهله»، فقلت: يا رسول الله، فكيف يجمعنا بعد ما تُمزِّقنا الرياحُ والبلى والسباع؟ قال: «أنبئك بمَثَل ذلك في آلاء الله: الأرضُ، أشرفتَ عليها وهي مَدَرةٌ بالية فقلت: لا تحيا أبدًا، ثم أرسل الله عليها السماء، فلم تلبث عليك إلا أيامًا حتى أشرفت عليها وهي شَرَْبة٣ واحدة، ولعَمْرُ إلهِك لهو أقدر على أن يجمعكم من الماء على أن يجمع نبات الأرض؛ فتخرجون من الأَصْواءِ٤ ومن مصارعكم فتنظرون إليه وينظر إليكم».
قال: قلت: يا رسول الله، كيف ونحن ملءُ الأرض وهو شخص واحد ينظر إلينا وننظر إليه؟ قال: «أنبئك بمَثَل هذا في آلاء الله: الشمس والقمر آية
(١) ف، د: «مفزع»، تصحيف.
(٢) ضبط بالقاف في عامّة الأصول ومصادر التخريج. وفي «المسند»: «تجعله». والمثبت موافق لما سيذكره المؤلف من تفسير الغريب في هذا الحديث.
(٣) كذا جاء مضبوطًا في ف، وكُتب فوقه «معًا» للإشارة إلى أنه يصحُّ ضبطه على الوجهين بفتح الراء وسكونها. وسيأتي تفسير المؤلف له عقب الحديث ..
(٤) في هامش ف: «هي القبور». والأصواء والصُّوى في الأصل: الأعلام من الحجارة تُنصب ليُستدل بها على الطرق أو كعلاماتٍ على القبور، واحدها: صُوَّة.
منه صغيرة ترونهما ويريانكم ساعةً واحدةً، ولا تُضَامُون١ في رؤيتهما»٢.
قلت: يا رسول الله، فما يفعل بنا ربنا إذا لقيناه؟ قال: «تُعرَضون عليه باديةً له صفحاتُكم لا يخفى عليه منكم خافية، فيأخذ ربك ﷿ بيده غَرفةً من ماء فينضح بها قِبَلكم، فلعَمْرُ إلهِك ما يخطئ وجهَ أحدٍ منكم منها قطرةٌ، فأما المسلم فتدع وجهه مثل الرَّيطة٣ البيضاء، وأما الكافر فتنضحه ــ أو قال: فتَنْطِحه٤ ــ بمثل الحُمَم الأسود، ألا ثُمَّ ينصرف نبيُّكم ويَفْرَق على أثره الصالحون فيسلكون جسرًا من النار يطأ أحدكم الجمرة يقول: حَسِّ٥! يقول ربك ﷿: أو أنه. ألا فتطَّلِعون على حوضِ نبيكم على أظمأِ
(١) أي لا يلحقكم ضَيم ــ وهو الظلم ــ من كثرة الزحام فيراه بعضكم دون بعض. ويُضبط أيضًا: «تُضامُّون» من «الضمّ» أي: لا تُزاحَمون، أو: «تَضامُّون» بفتح التاء، أي: تتزاحمون، حُذفت منه إحدى التائين تخفيفًا. ولفظ «المسند»: «تُضارُّون». والمثبت موافق لسائر مصادر التخريج.
(٢) زِيد في المطبوع بعده: «ولعمر إلهك لهو أقدر على أن يراكم وترونه من أن تروا نورهما [كذا، والصواب: ترونهما] ويريانكم، لا تضارون في رؤيتهما»، مستدرَكًا من «مسند أحمد»، وهو في سائر المصادر بنحوه. ولم يرد في شيء من الأصول، ولعله سقط من المؤلف لانتقال النظر.
(٣) في هامش ف: «هي المُلاءة».
(٤) كذا رسم الكلمتين في الأصول عدا ز، س ففيهما: «فتخطمه» دون شك الراوي، وهو لفظ عامة مصادر التخريج، وهو الذي ذكره ابن قتيبة (١/ ٥٣٥) ومَن بعده من أصحاب الغريب، ومعناه: تضرب خطمه ــ وهو أنفه ــ فتجعل فيه أثرًا. وما في الأصول قد يكون صوابه في الكلمة الأولى: «تَضْمَخه» أو «تَمْضَخُه» أي تَلْطخه، وفي الثانية: «تَمْطَخه» أي: تُدنِّسه. والله أعلم.
(٥) فسَّره في هامش ف أنه بمعنى «أوَّه»، وسيأتي في تفسير المؤلف لغريبه.