بين الباب والباب هذا المقدار، ويحتمل أن يريد بالبابين المِصراعين. ولا يناقض هذا ما جاء من تقديره بأربعين عامًا لوجهين:
أحدهما: إنه لم يُصرِّح فيه راويه بالرفع بل قال: «ولقد ذكر لنا أن ما بين المصراعين مسيرة أربعين عامًا»١.
والثاني: أن المسافة تختلف باختلاف سرعة السير فيها وبُطئه، والله أعلم.
وقوله في خمر الجنة: «إنه ما بها صُداع ولا ندامة» تعريض بخمر الدنيا وما يلحقها من صداع الرأس والندامةِ على ذهاب العقل والمال وحصولِ الشر الذي يوجبه زوال العقل.
و«الماء غير الآسن» هو الذي لم يتغيَّر بطول مكثه.
وقوله في نساء الجنة: «غير أن لا تَوالد»، قد اختلف الناس هل تلد نساء أهل الجنة؟ على قولين:
فقالت طائفة: لا يكون فيها حبل ولا ولادة، واحتجت هذه الطائفة بهذا الحديث وبحديثٍ آخر أظنه في «المسند»٢ وفيه: «غير أن لا مني ولا منية».
(١) لفظ حديث عُتبة بن غزوان ﵁ عند مسلم (٢٩٦٧). وهو إن كان غير صريح في الرفع، فقد روي من حديث معاوية بن حيدة مصرَّحًا فيه بالرفع عند أحمد (٢٠٠٢٥) وابن حبان (٧٣٨٨) بإسناد حسن. هذا، وأصرح وأصحّ منهما حديث أبي هريرة المتفق عليه: «إن ما بين المصراعين من مصاريع الجنة لكما بين مكة وهَجَر، أو: كما بين مكة وبُصرى». البخاري (٤٧١٢) ومسلم (١٩٤) واللفظ له. وانظر: «حادي الأرواح» (١/ ١١٤ - ١١٩).
(٢) ليس فيه، وإنما أخرجه الطبراني في «الكبير» (٨/ ١١٣) وأبو نُعيم في «صفة الجنة» (٣٦٧، ٣٦٩) من حديث أبي أمامة بإسنادين واهيين. وورد أيضًا ضمن حديث الصور الطويل عند الطبراني في «الأحاديث الطوال» (٣٦)، وقد سبق بيان ضعفه.
وأثبتت طائفة من السلف الولادة في الجنة، واحتجت بما رواه الترمذي في «جامعه»١ من حديث أبي الصديق الناجي عن أبي سعيد قال: قال رسول الله ﷺ: «المؤمن إذا اشتهى الولدَ في الجنة كان حملُه ووضعُه وسِنُّه في ساعة كما يشتهي». قال الترمذي: «حسن غريب»، ورواه ابن ماجه.
قالت الطائفة الأولى: هذا لا يدل على وقوع الولادة في الجنة، فإنه علَّقه بالشرط فقال: «إذا اشتهى»، ولكنه لا يشتهي، وهذا تأويل إسحاق بن راهويه حكاه البخاري عنه٢. قالوا: والجنة دار جزاء على الأعمال، وهؤلاء ليسوا من أهل الجزاء. قالوا: والجنة دار خلود لا موت فيها، فلو توالَدَ فيها أهلُها على الدوام والأبد لما وسعتهم، وإنما وسعتهم الدنيا بالموت.
وأجابت الطائفة الأخرى عن ذلك كله وقالت: أداة (إذا) إنما تكون لمحقَّق الوقوع لا للمشكوك فيه، وقد صحَّ أن الله سبحانه ينشئ للجنة خلقًا يُسكنهم إياها بلا عمل منهم، قالوا: وأطفال المسلمين أيضًا فيها بغير عمل. وأما حديث سَعَتها، فلو رُزق كلٌّ منهم عشرة آلافٍ من الولد وَسِعَتْهم، فإن أدناهم من ينظر في ملكه مسيرة ألفي عام٣.
(١) برقم (٢٥٦٣)، وأخرجه أيضًا الدارمي (٢٨٧٦) وابن ماجه (٤٣٣٨) وابن حبان (٧٤٠٤). قال المؤلف في «حادي الأرواح» (١/ ٥٢٨): «إسناده على شرط الصحيح، فرجاله محتجٌّ بهم فيه، لكن غريب جدًّا».
(٢) ثم عنه الترمذي في «جامعه» عقب الحديث.
(٣) وانظر: «حادي الأرواح» (الباب السادس والخمسين).