والدليل على ذلك مجيئهم باللام، فيقولون: ما أضرب زيدًا لعمرو. ولو كان باقيًا على تعدِّيه لقيل: ما أضرب زيدًا عمرًا، لأنه متعدٍّ إلى واحد بنفسه، وإلى الآخر بهمزة التعدية؛ فلما أن عدَّوه إلى المفعول بهمزة التعدية عدَّوه إلى الآخر باللام. فهذا هو الذي أوجب لهم أن قالوا: إنهما لا يصاغان إلا من فعل الفاعل، لا من الواقع على المفعول.
ونازعهم في ذلك آخرون، وقالوا: يجوز صوغهما من فعل الفاعل، ومن الواقع على المفعول وكثرةُ السماع به من أبين الأدلة على جوازه. تقول العرب: ما أشغله بالشيء، وهذا من شُغِل فهو مشغول. وكذلك يقولون: ما أولعه بكذا، وهذا من أُولِعَ بالشيء فهو مُولَعٌ، مبنيٌّ للمفعول ليس إلا. وكذلك قولهم: ما أعجبه بكذا، هو من أُعجِبَ به. ويقولون: ما أحبَّه إليَّ، هو تعجُّب من فعل المفعول، وكونه محبوبًا لك. وكذا: ما أبغَضَه إليَّ، وأمقَتَه إليَّ.
وهنا مسألة مشهورة ذكرها سيبويه١، وهي أنك تقول: ما أبغضني له، وما أحبَّني له، وما أمقتني له: إذا كنت أنت المبغِض الكاره، والمحِبَّ والماقت٢، فتكون متعجِّبًا من فعل الفاعل. وتقول: ما أبغضني إليه، وما أمقتني إليه، وما أحبَّني إليه: إذا كنت أنت البغيض الممقوت أو المحبوب، فيكون تعجُّبًا من الفعل الواقع على المفعول. فما كان باللام فهو للفاعل، وما كان بـ «إلى» فهو للمفعول.
(١) في «الكتاب» (٤/ ٩٩ - ١٠٠).
(٢) ك، ع: «والمحب الماقت».
وأكثر النحاة لا يعلِّلون هذا، والذي يقال في علته ــ والله أعلم ــ: أنَّ اللام تكون للفاعل في المعنى، نحو قولك: لمن هذا؟ فيقال: لزيد، فيأتي١ باللام. وأما «إلى» فتكون للمفعول في المعنى، تقول: إلى من يصل هذا الكتاب؟ فيقول: إلى عبد الله. وسرُّ ذلك أن اللام في الأصل للملك أو الاختصاص والاستحقاق، والملكُ والاستحقاقُ٢ إنما يكون للفاعل الذي يملك ويستحقُّ؛ و«إلى» لانتهاء الغاية، والغاية منتهى ما يقتضيه الفعل، فهي٣ بالمفعول أليق، لأنها تمام مقتضى الفعل.
ومن التعجب من فعل المفعول: قول كعب بن زهير في النبي ﷺ:
فلَهْوَ أخوَفُ عندي إذ أكلِّمهوقيل إنك محبوسٌ ومقتولُ
من ضيغَمٍ بثَراءِ الأرضِ مُخْدَرُهببطنِ عَثَّرَ غِيلٌ دونَه غِيلُ٤
(١) ن: «فتأتي». ولم ينقط حرف المضارع في ك، ع هنا وفي «فيقول» فيما يأتي.
(٢) «والملك والاستحقاق» ساقط من طبعات الكتاب عدا الطبعة الهندية.
(٣) مب: «فهو». وفي ج: «بالفعل فهو»، ولعله خطأ.
(٤) بهذا اللفظ ورد البيتان في الأصول، وكذا أنشدهما ابن عصفور في «المقرب» (١/ ٧١ - ٧٢) و«شرحه لجمل الزجاجي» (١/ ٥٧٧)، ولم أجد رواية «بثراء الأرض» في موضع آخر. وأقرب رواية منها: «بضَراء الأرض» كما في «سيرة ابن هشام» (٢/ ٥١١ - ٥١٢)، والضَّرَاء: الشجر الملتفّ في الوادي. أما «ثراء الأرض» كما جاء هنا فلعله من مدِّ المقصور، وقد أجازه الكوفيون وبعض البصريين. انظر: «ضرائر الشعر» لابن عصفور (ص ٣٨). وصدر البيت الثاني في النسخ المطبوعة غير الطبعة الهندية: من خادرٍ من لُيوثِ الأُسْدِ مسكنُه وذلك تصرُّف من بعض الناشرين، وهذه الرواية في «شرح قصيدة كعب» لابن هشام (ص ٧٦ - ط الميمنية) و«اللسان» (خدر) وغيرهما. وانظر البيتين في «ديوانه بشرح السكري» (ص ٢١) برواية أخرى.