فكان١ من هديه ﷺ: فعلُ التَّداوي في نفسه، والأمرُ به لمن أصابه مرضٌ من أهله وأصحابه؛ ولكن لم يكن من هديه ولا هدي أصحابه استعمال هذه الأدوية المركَّبة الَّتي تسمَّى «أَقْراباذين»٢، بل كان غالب أدويتهم بالمفردات، وربَّما أضافوا إلى المفرد ما يعاونه أو يكسر سَورته. وهذا غالب طبِّ الأمم على اختلاف أجناسها من العرب والتُّرك وأهل البوادي قاطبةً، وإنَّما عُنِي بالمركَّبات الرُّومُ واليونانيُّون. وأكثرُ طبِّ الهند بالمفردات.
وقد اتَّفق الأطبَّاء على أنَّه متى أمكن التَّداوي بالغذاء لا يُعدَل إلى الدَّواء، ومتى أمكن بالبسيط لا يُعدَل إلى المركَّب٣.
قالوا: وكلُّ داءٍ قدر على دفعه بالأغذية والحِمْية لم يحاول دفعه بالأدوية.
قالوا: ولا ينبغي للطَّبيب أن يُولَع بسقي الأدوية، فإنَّ الدَّواء إذا لم يجد في البدن داءً يحلِّله، أو وجد داءً لا يوافقه، أو وجد ما يوافقه فزادت كمِّيَّته عليه أو كيفيَّته= تشبَّث بالصِّحَّة، وعبِث بها. وأرباب التَّجارب من الأطبَّاء طبُّهم بالمفردات غالبًا، وهم أحد فِرَق الطِّبِّ الثَّلاث.
(١) ث، ل، حط، ن: «وكان».
(٢) ويقال: «أَقْرباذين» تخفيفًا، كما في طبعة عبد اللطيف وما بعدها. وهي كلمة يونانية. انظر تفسيرها في «القول الأصيل فيما في العربية من الدخيل» للدكتور ف. عبد الرحيم (ص ٢٨).
(٣) انظر: «لقط المنافع» لابن الجوزي (٢/ ٣٩).
والتَّحقيق في ذلك أنَّ الأدوية من جنس الأغذية، فالأمَّة والطَّائفة الَّتي غالبُ أغذيتها المفردات فأمراضها قليلةٌ جدًّا، وطبُّها بالمفردات. وأهلُ المدن الذين غلبت عليهم الأغذية المركَّبة يحتاجون إلى الأدوية المركَّبة. وسببُ ذلك أنَّ أمراضهم في الغالب مركَّبةٌ، فالأدوية المركَّبة أنفع لها. وأمراض أهل البوادي والصَّحاري مفردةٌ، فيكفي في مداواتها الأدوية المفردة. فهذا برهان بحسب الصِّناعة الطِّبِّيَّة.
ونحن نقول: إنَّ هاهنا أمرًا١ آخر، نسبةُ طبِّ الأطبَّاء إليه كنسبة٢ طبِّ الطُّرُقيَّة٣ والعجائز إلى طبِّهم. وقد اعترف به حذَّاقهم وأئمَّتهم، فإنَّ ما عندهم من العلم بالطِّبِّ، منهم من يقول: هو قياسٌ. ومنهم من يقول: هو تجربةٌ. ومنهم من يقول: هو إلهامٌ٤ ومناماتٌ وحدسٌ صائبٌ. ومنهم من يقول: أُخِذَ كثيرٌ منه من الحيوانات البهيميَّة، كما يُشاهَد٥ السَّنانيرُ إذا أكلت ذواتِ السُّموم تعمد إلى السِّراج، فتَلِغُ في الزَّيت تتداوى به؛ وكما رُئيت الحيَّاتُ إذا خرجت من بطون الأرض، وقد عَشِيت أبصارها، تأتي إلى ورق الرَّازِيانَج٦، فتُمِرُّ عيونها عليه؛ وكما عُهِد من الطَّير الذي يحتقن بماء البحر
(١) ما عدا ف، حط: «أمر» وضبط في س بالرفع.
(٢) «طبّ الأطباء إليه كنسبة» ساقط من د.
(٣) هم الذين يبيعون في الطرقات غرائب العقاقير والحروز والتمائم وما إلى ذلك. وسيأتي في قول حبيش (ص ٤٨٥): «أطبَّاء الطرقات». وانظر: «تكملة دوزي» (٧/ ٤٥).
(٤) ن: «إلهامات».
(٥) س، حط: «تشاهد». ن: «نشاهد». وقد أهمل حرف المضارع في ث، ل.
(٦) تصحف في د، ث، ل إلى «الداريانج». وهي كلمة فارسية، والرازيانج هو الشَّمار أو الشَمَر.