زاد المعاد

وأكثر النحاة لا يعلِّلون هذا، والذي يقال في علته ــ والله أعلم ــ: أنَّ اللام تكون للفاعل في المعنى، نحو قولك: لمن هذا؟ فيقال: لزيد، فيأتي١ باللام. وأما «إلى» فتكون للمفعول في المعنى، تقول: إلى من يصل هذا الكتاب؟ فيقول: إلى عبد الله. وسرُّ ذلك أن اللام في الأصل للملك أو الاختصاص والاستحقاق، والملكُ والاستحقاقُ٢ إنما يكون للفاعل الذي يملك ويستحقُّ؛ و«إلى» لانتهاء الغاية، والغاية منتهى ما يقتضيه الفعل، فهي٣ بالمفعول أليق، لأنها تمام مقتضى الفعل.

ومن التعجب من فعل المفعول: قول كعب بن زهير في النبي ﷺ:

فلَهْوَ أخوَفُ عندي إذ أكلِّمهوقيل إنك محبوسٌ ومقتولُ
من ضيغَمٍ بثَراءِ الأرضِ مُخْدَرُهببطنِ عَثَّرَ غِيلٌ دونَه غِيلُ٤
  1. (١) ن: «فتأتي». ولم ينقط حرف المضارع في ك، ع هنا وفي «فيقول» فيما يأتي.
  2. (٢) «والملك والاستحقاق» ساقط من طبعات الكتاب عدا الطبعة الهندية.
  3. (٣) مب: «فهو». وفي ج: «بالفعل فهو»، ولعله خطأ.
  4. (٤) بهذا اللفظ ورد البيتان في الأصول، وكذا أنشدهما ابن عصفور في «المقرب» (١/ ٧١ - ٧٢) و«شرحه لجمل الزجاجي» (١/ ٥٧٧)، ولم أجد رواية «بثراء الأرض» في موضع آخر. وأقرب رواية منها: «بضَراء الأرض» كما في «سيرة ابن هشام» (٢/ ٥١١ - ٥١٢)، والضَّرَاء: الشجر الملتفّ في الوادي. أما «ثراء الأرض» كما جاء هنا فلعله من مدِّ المقصور، وقد أجازه الكوفيون وبعض البصريين. انظر: «ضرائر الشعر» لابن عصفور (ص ٣٨). وصدر البيت الثاني في النسخ المطبوعة غير الطبعة الهندية:
    من خادرٍ من لُيوثِ الأُسْدِ مسكنُه
    وذلك تصرُّف من بعض الناشرين، وهذه الرواية في «شرح قصيدة كعب» لابن هشام (ص ٧٦ - ط الميمنية) و«اللسان» (خدر) وغيرهما. وانظر البيتين في «ديوانه بشرح السكري» (ص ٢١) برواية أخرى.
78

فـ «أخوف» هاهنا، من خِيفَ فهو مخوف، لا من خاف. وكذلك قولهم: ما أجَنَّ زيدًا، من جُنَّ فهو مجنون. هذا مذهب الكوفيين ومن وافقهم.

قال البصريون: كلُّ هذا شاذٌّ لا يعوَّل عليه، فلا تشوَّش به القواعد، ويجب الاقتصار منه على المسموع.

قال الكوفيون: كثرة هذا في كلامهم نظمًا ونثرًا يمنع حمله على الشذوذ، لأنَّ الشاذَّ ما خالف استعمالَهم ومطَّرِدَ كلامهم، وهذا غير مخالف لذلك.

قالوا: وأما تقديركم لزومَ الفعل ونقلَه إلى فَعُلَ، فتحكُّم لا دليل عليه. وما تمسَّكتم به من التعدية بالهمزة إلى آخره، فليس الأمر فيها كما ذهبتم إليه. والهمزة في هذا البناء ليست للتعدية، وإنما هي للدلالة على معنى التعجب والتفضيل فقط، كألف فاعل وميم مفعول وواوه، وتاء الافتعال والمطاوعة، ونحوها من الزوائد التي تلحق الفعل الثلاثي، لبيان ما لحقه من الزيادة على مجرَّده. وهذا هو السبب الجالب لهذه الهمزة، لا تعدية الفعل.

قالوا: والذي يدل على هذا أن الفعل الذي تعدَّى بالهمزة يجوز أن يعدَّى بحرف الجر والتضعيف، نحو: جلست به وأجلسته وقمت به وأقمته، ونظائره. وهنا لا يقوم مقامَ الهمزة غيرُها، فعُلِم أنها ليست للتعدية المجرَّدة. وأيضًا، فإنها تجامع باءَ التعدية نحو: أكرِمْ به وأحسِنْ به، ولا يُجمَع على الفعل بين مُعَدِّيين.

وأيضًا فإنهم يقولون: ما أعطاه للدراهم، وأكساه للثياب، وهذا من

79

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي