زاد المعاد

وسعادتها وأسبابَ ذلك. وأمَّا طبُّ الأبدان، فجاء من تكميل شريعته ومقصودًا لغيره بحيث إنَّما يستعمل عند الحاجة إليه، فإذا قُدِّر الاستغناءُ عنه كان صرفُ الهمم والقوى إلى علاج القلوب والأرواح، وحفظِ صحَّتها، ودفعِ أسقامها، وحِمْيتِها ممَّا يفسدها= هو المقصود بالقصد الأوَّل. وإصلاحُ البدن بدون إصلاح القلب لا ينفع، وفسادُ البدن مع إصلاح القلب مضرَّته يسيرةٌ جدًّا، وهي مضرَّةٌ زائلةٌ يعقبها المنفعة الدَّائمة التَّامَّة. وباللَّه التَّوفيق.

29

ذكر القسم الأوَّل وهو العلاج بالأدوية الطَّبيعيَّة

فصل

في هديه في علاج الحمَّى

ثبت في «الصَّحيحين»١ عن نافع عن ابن عمر أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «إنَّما الحمَّى ــ أو: شدَّة الحمَّى ــ من فَيْحِ جهنَّم، فأَبرِدُوها بالماء».

وقد أشكل هذا الحديث على كثيرٍ من جهلة الأطبَّاء٢، ورأوه منافيًا لدواء الحمَّى وعلاجها. ونحن نبيِّن بحول الله٣ وجهَه وفقهَه، فنقول: خطاب النَّبيِّ ﷺ نوعان: عامٌّ لأهل الأرض، وخاصٌّ ببعضهم٤. فالأوَّل كعامَّة خطابه. والثَّاني كقوله: «لا تستقبلوا القبلة بغائطٍ ولا بولٍ ولا تستدبروها، ولكن شرِّقوا أو غرِّبوا»٥، فهذا ليس بخطابٍ لأهل المشرق ولا المغرب ولا العراق، ولكن لأهل المدينة وما على سَمْتِها كالشَّام وغيرها. وكذلك قوله: «ما بين المشرق والمغرب قبلةٌ»٦.

  1. (١) البخاري (٣٢٦٤) ومسلم (٢٢٠٩).
  2. (٢) وانظر: «المفهم» للقرطبي (٥/ ٥٩٩ - ٦٠١).
  3. (٣) بعده في ن: «وقوته»، وكذا في النسخ المطبوعة.
  4. (٤) س، ث، ل: «لبعضهم».
  5. (٥) أخرجه البخاري (٣٩٤) ومسلم (٢٦٤) من حديث أبي أيوب الأنصاري.
  6. (٦) أخرجه التِّرمذي (٣٤٤)، وابن ماجه (١٠١١)، من حديث أبي هريرة ﵁. وقد تكلَّم فيه أحمد، وأنكره النَّسائي (٤/ ١٧١)، وقوَّاه البخاري، وقال التِّرمذي: «هذا حديث حسن صحيح»، وصحَّحه عبد الحقِّ في «الأحكام الصُّغرى» (١/ ٢٢٤). ورُوي عن ابن عمر مرفوعًا، وعن أبي قلابة مُرسلًا، وعن عمر وعليٍّ وابن عبَّاس موقوفًا.
30

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي