زاد المعاد

وإذا عُرِف هذا، فخطابه في هذا الحديث خاصٌّ بأهل الحجاز وما والاهم، إذ كان أكثر الحُمَّيَات الَّتي تعرض لهم من نوع الحمَّى اليوميَّة العرضيَّة الحادثة عن شدَّة حرارة الشَّمس، وهذه ينفعها الماء البارد شربًا واغتسالًا، فإنَّ الحمَّى حرارةٌ غريبةٌ تشتعل في القلب، وتنبثُّ١ منه بتوسُّط الرُّوح والدَّم في الشَّرايين والعروق إلى جميع البدن، فتشتعل فيه اشتعالًا يضرُّ بالأفعال الطَّبيعيَّة٢.

وهي تنقسم إلى قسمين: عَرَضيَّة: وهي الحادثة إمَّا عن الورم أو الحركة أو إصابة حرارة الشَّمس أو الغيظ٣ الشَّديد ونحو ذلك.

ومَرَضيَّةٌ: وهي ثلاثة أنواعٍ، وهي لا تكون إلا في مادَّةٍ أولى ثمَّ منها يسخُن جميع البدن. فإن كان مبدأ تعلُّقها بالرُّوح سمِّيت «حمَّى يومٍ»، لأنَّها في الغالب تزول في يومٍ، ونهايتها ثلاثة أيَّامٍ. وإن كان مبدأ تعلُّقها بالأخلاط سمِّيت «عَفَنيَّةً» وهي أربعة أصنافٍ: صفراويَّةٌ وسوداويَّةٌ وبلغميَّةٌ ودمويَّةٌ. وإن كان مبدأ تعلُّقها بالأعضاء الصُّلبة الأصليَّة سمِّيت «حمَّى دِقٍّ». وتحت هذه الأنواع أصنافٌ كثيرةٌ.

  1. (١) تصحفت الكلمة فيما عدا ف، ث، ن إلى «تثبت» أو «تنبت»، وأهملت في بعضها.
  2. (٢) تعريف الحمى بهذا اللفظ لابن سينا في «القانون» (٣/ ٥) ولكن المؤلف صادر عن «الأحكام النبوية» للحموي (ص ٦٥).
  3. (٣) كذا في جميع النسخ والطبعة الهندية. وطبعة عبد اللطيف وما بعدها: «القيظ»، وكذا أثبت الشيخ عبد الغني عبد الخالق في «الطب النبوي». وقد ذكر ابن سينا وغيره أن الفرح والغضب والهم من أسباب الحمى. انظر: «القانون» (٣/ ١٤).
31

وقد ينتفع البدن بالحمَّى انتفاعًا عظيمًا لا يبلغه الدَّواء، وكثيرًا ما تكون حمَّى يومٍ وحمَّى العَفَن سببًا لإنضاج موادَّ غليظةٍ لم تكن تنضَج بدونها، وسببًا لتفتُّح سُدَدٍ لم تكن تصل إليها الأدوية المفتِّحة.

وأمَّا الرَّمَد الحديث والمتقادم، فإنَّها تُبرئ أكثر أنواعه برءًا عجيبًا سريعًا. وتنفع من الفالج واللَّقوة والتَّشنُّج الامتلائيِّ وكثيرٍ من الأمراض الحادثة عن الفضول الغليظة١.

وقال لي بعض فضلاء الأطبَّاء: إنَّ كثيرًا من الأمراض نستبشر فيها بالحمَّى، كما يستبشر المريض بالعافية، فتكون الحمَّى فيه أنفعَ من شُرب الدَّواء بكثيرٍ، فإنَّها تُنضِج من الأخلاط والموادِّ الفاسدة ما يضرُّ بالبدن، فإذا أنضجتها صادفها الدَّواء متهيِّئةً للخروج بنِضاجها، فأخرَجَها، فكانت سببًا للشِّفاء.

وإذا عُرِف هذا فيجوز أن يكون مراد الحديث من أقسام الحمَّيات: «العرَضيَّة»، فإنَّها تسكن على المكان بالانغماس في الماء البارد وسقي الماء البارد المثلوج، ولا يحتاج صاحبها مع ذلك إلى علاجٍ آخر، فإنَّها مجرَّد كيفيَّةٍ حارَّةٍ متعلِّقةٍ بالرُّوح، فيكفي في زوالها مجرَّدُ وصولِ كيفيَّةٍ باردةٍ تسكِّنها وتُخْمِد لهبَها، من غير حاجةٍ إلى استفراغ مادَّةٍ أو انتظار نُضْجٍ٢.

ويجوز أن يراد به جميع أنواع الحمَّيات، وقد اعترف فاضل الأطبَّاء جالينوس بأنَّ الماء البارد ينفع فيها. قال في المقالة العاشرة من كتاب «حيلة

  1. (١) من قوله: «خاصٌّ بأهل الحجاز» إلى هنا مأخوذ من كتاب الحموي (٦٤ - ٦٦).
  2. (٢) كتاب الحموي (ص ٦٨).
32

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي