البُرْء»١: ولو أنَّ رجلًا شابَّا خَشِنَ٢ اللَّحم خِصْبَ البدن، في وقت القيظ، في وقت٣ منتهى من الحمَّى٤، وليس في أحشائه ورمٌ= استحمَّ بماءٍ باردٍ أو سبَح فيه لانتفع بذلك. قال: ونحن نأمر بذلك بلا توقُّف.
وقال الرازي في كتابه «الكبير»٥: إذا كانت القوَّة قويَّةً، والحمَّى حادَّة جدًّا، والنُّضجُ بيِّنٌ، ولا ورم في الجوف ولا فَتْق= ينفع الماء البارد شُربًا. وإن كان العليلُ خِصْبَ البدن، والزَّمانُ حارٌّ، وكان معتادًا لاستعمال الماء البارد من خارجٍ= فليؤذَن فيه.
وقوله: «الحمَّى من فَيح جهنَّم» هو شدَّة لهبها وانتشارها. ونظيره قوله: «شدَّة الحرِّ من فَيح جهنَّم». وفيه وجهان:
أحدهما: أنَّ ذلك أنموذجٌ ورَقيقةٌ٦ اشتقَّت من جهنَّم ليستدلَّ بها العباد
(١) ث، ل، حط: «حلية البرء»، تصحيف. والنقل عن كتاب الحموي (ص ٦٩).
(٢) هكذا في جميع النسخ بالشين المعجمة. وفي النسخ المطبوعة: «حسن»، وكذا في كتاب الحموي و«فتح الباري» (١٠/ ١٧٧) ــ وقد نقل من كتابنا ــ وهو تصحيف. انظر: «الحاوي» للرازي (٢/ ٣٩٥).
(٣) لفظ «وقت» ساقط من س، ث، ل.
(٤) في طبعة عبد اللطيف وما بعدها: «منتهى الحمى».
(٥) يعني: «الحاوي» (٤/ ٢٦١) والنص منقول من كتاب الحموي (ص ٢٩٨).
(٦) أي قطعة يسيرة. انظر ما علَّقته على قوله في «طريق الهجرتين» (١/ ٦٩): «رقيقة من نعيم أهل الجنة». ومنه قوله في «المدارج» (١/ ٢٢٠): «رقيقة من العجب». ومنه قول أبي العباس البُوني (ت ٦٢٢ هـ): «ربِّ أوقِفْني مواقف العزِّ حتى لا أجد فيَّ ذرَّةً ولا رقيقةً ولا دقيقةً إلا قد غشَّاها من عزِّ عزِّتك ما يمنعها من الذلِّ لغيرك». انظر كتابه «اللمعة النورانية» خ جامعة الملك سعود (ق ٨/أ). وكأن الكلمة بهذا المعنى من ألفاظ المتصوفة.
عليها، ويعتبروا بها. ثمَّ إنَّ الله سبحانه قدَّر ظهورها بأسبابٍ تقتضيها، كما أنَّ الرُّوح والفرح والسُّرور واللَّذَّة من نعيم الجنَّة، أظهرها الله في هذه الدَّار عبرةً ودلالةً، وقدَّر ظهورها بأسبابٍ توجبها.
والثَّاني: أن يكون المراد التَّشبيه، فشبَّه شدَّة الحمَّى ولهبها١ بفَوح جهنَّم٢، وشبَّه شدَّة الحرِّ به أيضًا، تنبيهًا للنُّفوس على شدَّة عذاب النَّار وأنَّ هذه الحرارة العظيمة مشبَّهةٌ بفَيحها، وهو ما يصيب مَن قرُبَ منها من حرِّها.
وقوله: «فأَبرِدُوها» روي بوجهين: بقطع الهمزة وفتحها، رباعيٌّ من أبرد الشَّيءَ إذا صيَّره باردًا، مثل: أسخنه٣: صيَّره سُخْنًا٤. والثَّاني: بهمزة الوصل مضمومةً من برَد الشَّيءَ يبرُده، وهو أفصح لغةً واستعمالًا. والرُّباعيُّ لغةٌ رديَّة عندهم٥. قال الحماسي٦:
(١) د: «ولهيبها».
(٢) حط: «بفيح جهنم» والمثبت رواية أخرى جاءت في «صحيح البخاري» (٥٧٢٦).
(٣) في حط، ن بعده زيادة: «إذا». وكذا في النسخ المطبوعة. وقد أضيفت في س فوق السطر.
(٤) ل: «ساخنًا».
(٥) هذا قول الجوهري في «الصحاح» (٢/ ٤٤٥).
(٦) كذا في جميع النسخ الخطية والطبعات القديمة. ولم أجد الشعر في «حماسة أبي تمام»، وقد أنشده المؤلف في «روضة المحبين» (ص ٧٣) دون عزو، وفيه (ص ٢٥٦) لعروة بن أذينة في قصة مشهورة. وكأنه تابع في كل موضع المصدر الذي نقل منه. وقد حذفت طبعة الرسالة لفظ «الحماسي».والبيتان لعروة في «الشعر والشعراء» (٢/ ٥٨٠) و«الأغاني» (١٨/ ٢٤٦ - الثقافة) وغيرهما. وانظر: «شعر عروة» بتحقيق الجبوري (٣١٥ - ٣١٧).