عليها، ويعتبروا بها. ثمَّ إنَّ الله سبحانه قدَّر ظهورها بأسبابٍ تقتضيها، كما أنَّ الرُّوح والفرح والسُّرور واللَّذَّة من نعيم الجنَّة، أظهرها الله في هذه الدَّار عبرةً ودلالةً، وقدَّر ظهورها بأسبابٍ توجبها.
والثَّاني: أن يكون المراد التَّشبيه، فشبَّه شدَّة الحمَّى ولهبها١ بفَوح جهنَّم٢، وشبَّه شدَّة الحرِّ به أيضًا، تنبيهًا للنُّفوس على شدَّة عذاب النَّار وأنَّ هذه الحرارة العظيمة مشبَّهةٌ بفَيحها، وهو ما يصيب مَن قرُبَ منها من حرِّها.
وقوله: «فأَبرِدُوها» روي بوجهين: بقطع الهمزة وفتحها، رباعيٌّ من أبرد الشَّيءَ إذا صيَّره باردًا، مثل: أسخنه٣: صيَّره سُخْنًا٤. والثَّاني: بهمزة الوصل مضمومةً من برَد الشَّيءَ يبرُده، وهو أفصح لغةً واستعمالًا. والرُّباعيُّ لغةٌ رديَّة عندهم٥. قال الحماسي٦:
(١) د: «ولهيبها».
(٢) حط: «بفيح جهنم» والمثبت رواية أخرى جاءت في «صحيح البخاري» (٥٧٢٦).
(٣) في حط، ن بعده زيادة: «إذا». وكذا في النسخ المطبوعة. وقد أضيفت في س فوق السطر.
(٤) ل: «ساخنًا».
(٥) هذا قول الجوهري في «الصحاح» (٢/ ٤٤٥).
(٦) كذا في جميع النسخ الخطية والطبعات القديمة. ولم أجد الشعر في «حماسة أبي تمام»، وقد أنشده المؤلف في «روضة المحبين» (ص ٧٣) دون عزو، وفيه (ص ٢٥٦) لعروة بن أذينة في قصة مشهورة. وكأنه تابع في كل موضع المصدر الذي نقل منه. وقد حذفت طبعة الرسالة لفظ «الحماسي».والبيتان لعروة في «الشعر والشعراء» (٢/ ٥٨٠) و«الأغاني» (١٨/ ٢٤٦ - الثقافة) وغيرهما. وانظر: «شعر عروة» بتحقيق الجبوري (٣١٥ - ٣١٧).
إذا وجدتُ لهيبَ الحبِّ في كبديأقبلتُ نحو سِقاء القوم أَبترِدُ
هَبْني بردتُ ببرد الماء ظاهرهفمَن لنارٍ على الأحشاء تتَّقدُ
وقوله: «بالماء» فيه قولان. أحدهما: أنَّه كلُّ ماءٍ، وهو الصَّحيح. والثَّاني: أنَّه ماء زمزم. واحتجَّ أصحاب هذا القول بما رواه البخاريُّ في «صحيحه»١ عن أبي جَمْرة٢ نصر بن عمران الضُّبَعي قال: كنت أجالس ابن عبَّاسٍ بمكَّة، فأخذتني الحمَّى، فقال: أَبْرِدْها عنك بماء زمزم، فإنَّ رسول الله ﷺ قال: «إنَّ٣ الحمَّى من فيح جهنَّم، فأبرِدوها بالماء» أو قال: «بماء زمزم». وراوي هذا قد شكَّ فيه. ولو جزم به لكان أمرًا لأهل مكَّة بماء زمزم إذ هو متيسِّرٌ عندهم، ولغيرهم بما عندهم من الماء.
ثمَّ اختلف من قال إنَّه على عمومه: هل المراد به الصَّدقة بالماء أو استعماله؟ على قولين، والصَّحيح أنَّه استعماله. وأظنُّ الذي حمل من قال: المراد الصَّدقة به٤: أنَّه أشكل عليه استعمال الماء البارد في الحمَّى ولم يفهم وجهَه، مع أنَّ لقوله وجهًا حسنًا، وهو أنَّ الجزاء من جنس العمل، فكما أخمد لهيبَ العطش عن الظَّمآن بالماء البارد، أخمد الله لهيبَ الحمَّى عنه جزاءً وفاقًا. ولكن هذا يؤخذ من فقه الحديث وإشارته، وأمَّا المراد به فاستعماله.
(١) برقم (٣٢٦١).
(٢) ما عدا س، ن: «حمزة»، تصحيف.
(٣) لم ترد «إنَّ» في س.
(٤) «به» ساقط من ز، ث، ل. وفي ث، ل، حط، ن: «المراد به». وفي س، ث: «إن المراد». والقول بأن المراد الصدقة قول ابن الأنباري. انظر: «أعلام الحديث» (٣/ ٢١٢٦).