زاد المعاد

دعا بقِربةٍ من ماءٍ، فأفرغها على رأسه، فاغتسل.

وفي «السُّنن»١: من حديث أبي هريرة قال: ذُكرت الحمَّى عند رسول الله ﷺ، فسبَّها رجلٌ، فقال رسول الله ﷺ: «لا تسُبَّها، فإنَّها تنفي الذُّنوبَ كما تنفي النَّارُ خبَثَ الحديد».

لما٢ كانت الحمَّى يتبعها حِمْيةٌ٣ عن الأغذية الرَّديَّة، وتناولُ الأغذية والأدوية النَّافعة، وفي ذلك إعانةٌ على تنقية البدن ونفيِ أخباثه وفضوله، وتصفيتهِ من موادِّه الرَّديَّة، وتفعل فيه كما تفعل النَّارُ في الحديد في نفي خَبَثه وتصفية جوهره= كانت أشبهَ الأشياء بنار الكِير الَّتي تصفِّي جوهرَ الحديد. وهذا القدر هو المعلوم عند٤ أطبَّاء الأبدان. وأمَّا تصفيتها القلبَ من وسَخه ودرَنه، وإخراجُها خبائثه، فأمرٌ يعلمه أطبَّاء القلوب، ويجدونه كما أخبرهم به نبيُّهم٥. ولكن مرض القلب إذا صار مأيوسًا من برئه٦ لم ينفع

  1. (١) «سنن ابن ماجه» (٣٤٦٩). وأخرجه أيضًا ابن أبي شيبة (١٠٩١٥)، والبزَّار (٨٢٠٢)، والطَّبراني في «الأوسط» (٦٢٤٨). وفي إسناده موسى بن عُبَيدة، وهو الرَّبَذي ضَعيف، وبه ضعَّفه البوصيري في «المصباح» (٤/ ٦٠). وله شاهد من حديث جابر بن عبد الله ﵄ عند مسلم (٢٥٧٥).
  2. (٢) س: «ولما». وكذا في كتاب الحموي (ص ٦٦)، والفقرة إلى قوله: «جوهر الحديد» منقولة منه.
  3. (٣) د: «الحمية». وفي س، ث: «حمية من».
  4. (٤) حط، ن: «عن».
  5. (٥) في طبعة الرسالة بعده: «رسول الله ﷺ». والزيادة من طبعة عبد اللطيف.
  6. (٦) رسمها في النسخ ما عدا س: «بروه» بالواو، ومن ثم أثبت ناسخ حط: «برده» بالدال.
37

فيه هذا العلاج. فالحمَّى تنفع البدن والقلب، وما كان بهذه المثابة فسبُّه ظلمٌ وعدوانٌ.

وذكرتُ مرَّةً وأنا محمومٌ قولَ بعض الشُّعراء١ يسُبُّها:

زارت مكفِّرةُ الذُّنوب وودَّعَتْتبًّا لها من زائرٍ ومودِّعِ
قالت وقد عزمَت على تَرحالهاماذا تريد؟ فقلت: أن لا ترجعي

فقلت: تبًّا له إذ سبَّ ما نهى رسولُ الله ﷺ عن سبِّه! ولو قال:

زارت مكفِّرةُ الذُّنوب لصبِّهاأهلًا بها من زائرٍ ومودِّع
قالت وقد عزمَتْ على ترحالهاماذا تريد؟ فقلت: أن لا تُقلعي

لكان أولى به، ولأقلعَتْ عنه. فأقلعت عنِّي سريعًا٢.

وقد روي في أثرٍ لا أعرف حاله: «حمَّى يومٍ كفَّارةُ سنةٍ»٣. وفيه قولان٤، أحدهما: أنَّ الحمَّى تدخل في كلِّ الأعضاء والمفاصل، وعدَّتُها

  1. (١) نسب البيتان مع ثالث في «شذرات الذهب» (٧/ ٢٠٢) إلى الملك المعظم شرف الدين الأيوبي (٥٧٦ - ٦٢٤).
  2. (٢) أنشد شمس الدين ابن مفلح في «الآداب الشرعية» (٣/ ٢٤١) بيتي الملك المعظم ثم بيتي المؤلف دون تسميته وقال: «لم يُصِب من قال: ... ولا من قال: ... لأن الأول ارتكب النهي عن سبِّها، والثاني ترك الأمرَ بسؤال العفو والعافية وأراد بقاء المرض».
  3. (٣) لعلَّه يقصِد بالأثر ما أخرجه ابن أبي الدُّنيا في «المرض والكفَّارات» (٤٩)، ومن طريقه البيهقي في «الشُّعب» (٩٤٠٣)، عن أبي الدَّرداء ﵁ قال: «حمَّى ليلةٍ كفَّارةُ سنَةٍ»، وإسناده ضعيف. ورُوي مرفوعًا من حديث ابن مسعود وأبي هريرة ﵄، وهما حديثان واهيان، ينظر: «السلسلة الضعيفة» (٣٥٣٢، ٦١٤٣).
  4. (٤) انظر القولين في «قوت القلوب» (٢/ ٣٩).
38

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي