استُودع فيه، مُذْهِبٌ لكيفيَّات الأدوية الكريهة، منقٍّ للكبد والصَّدر، مدرٌّ للبول١، موافقٌ للسُّعال الكائن عن البلغم.
وإذا شُرِب٢ حارًّا بدهن الورد نفَع من نَهْشِ الهوامِّ وشُرْبِ الأفيون. وإن شُرِب وحده ممزوجًا بماءٍ نفَع من عضَّةِ الكَلْب الكَلِب، وأكلِ الفُطْر القتَّال. وإذا جُعِل فيه اللَّحم الطَّريُّ حفِظ طراوتَه ثلاثة أشهرٍ. وكذلك إن جُعِل فيه القثَّاء والخيار والقَرْع٣ والباذنجان. ويحفظ كثيرًا من الفاكهة ستَّة أشهرٍ. ويحفظ جثث الموتى، ويسمَّى «الحافظ الأمين».
وإذا لُطِّخ به البدنُ المقمَلُ والشَّعرُ قتلَ قملَه وصِئْبانَه٤، وطوَّل الشَّعر وحسَّنه ونعَّمه. وإن اكتُحِلَ به جلا ظلمةَ البصر. وإن استنَّ به بيَّض الأسنانَ وصقَلَها، وحفِظ صحَّتها وصحَّة اللَّثة. ويفتح أفواه العروق، ويُدِرُّ الطَّمْثَ. ولعقُه على الرِّيق يُذيبُ٥ البلغم، ويغسل خَمْلَ المعدة٦، ويدفع الفضلات عنها، ويسخِّنها تسخينًا معتدلًا، ويفتح سُدَدَها، ويفعل ذلك بالكبد والكُلى والمثانة. وهو أقلُّ ضررًا لسُدَد الكبد والطِّحال من كلِّ حلوٍ.
(١) د: «منق الكبد والصدر ومدر البول».
(٢) د، ز، حط، ن: «شربه». ورسمه في ف محتمل.
(٣) «القرع» ساقط من س.
(٤) الصِّئبانُ: جمع صؤابة، وهو بيضة القمل ونحوه.
(٥) في طبعة الرسالة: «يذهب» تبعًا للطبعات السابقة.
وهو مع هذا كلِّه مأمون الغائلة، قليل المضارِّ، مضرٌّ بالعرَض للصَّفراويِّين ودفعُها بالخلِّ ونحوه، فيعود حينئذٍ نافعًا لهم جدًّا.
وهو غذاءٌ مع الأغذية، ودواءٌ مع الأدوية، وشرابٌ مع الأشربة، وحلوى مع الحلوى١، وطِلاءٌ مع الأطلية، ومفرِّحٌ مع المفرِّحات. فما خُلِق لنا شيءٌ في معناه أفضلَ منه، ولا مثلَه، ولا قريبًا٢. ولم يكن معوَّل القدماء إلا عليه. وأكثر كتب القدماء لا ذكر فيها للسُّكَّر البتَّة، ولا يعرفونه فإنَّه حديث العهد حدَث قريبًا.
وكان النَّبيُّ ﷺ يشربه بالماء على الرِّيق٣. وفي ذلك سرٌّ بديعٌ في حفظ الصِّحَّة لا يدركه إلا الفطن الفاضل، وسنذكر ذلك إن شاء الله عند ذكر هديه في حفظ الصِّحَّة.
وفي «سنن ابن ماجه»٤ مرفوعًا من حديث أبي هريرة: «من لعِق
(١) يحتمل قراءة: «حلواء مع الحلواء». وفي ل: «حلو مع الحلوى». وفي س: «حلو مع الحلواء». وفي ن: «حلو مع الحلو».
(٢) بعده في النسخ المطبوعة زيادة: «منه».
(٣) كذا ذكر الحموي في كتابه (ص ٧٧)، وأصله في «الأربعين الطبية» للموفق البغدادي ولفظه: «وقد كان ﷺ يشرب كل يوم قدح عسل ممزوجًا على الريق». ونقله عنه ابن الملقن في «التوضيح» (٢٧/ ٣٥١) والفيروزابادي في «ترقيق الأمل» (ص ١١٥)، وسكت عنه ابن حجر في «الفتح» (٩/ ٥٥٧)، ولا يُعرف له إسناد.
(٤) «سنن ابن ماجه» (٣٤٥٠). وأخرجه أيضًا أبو يعلى (٦٤١٥)، والطَّبراني في «الأوسط» (٤٠٨)، وأبو نعيم في «الطِّب النَّبوي» (١٦٢، ٥٦٣)، والبيهقيُّ في «الشُّعب» (٥٥٣٠). وقد تتابع الأئمَّةُ والعلماءُ على تضعيف هذا الحديث، فضعَّفه البخاريُّ في «التَّاريخ الكبير» (٦/ ٥٥)، والعقيليُّ في «الضُّعفاء» (٣/ ٤٠)، وابن حبَّان في «المجروحين» (١/ ٣١٣)، وابن عديٍّ في «الكامل» (٤/ ١٩١، ٧/ ٦)، وابن حجر في «الفتح» (١٠/ ١٤٠)، وهو في «السِّلسلة الضَّعيفة» (٧٦٢). وبالغ ابن الجوزيِّ فذكره في «الموضوعات» (٣/ ٢١٥).