زاد المعاد

[العسلَ]١ ثلاثَ غَدَواتٍ كلَّ شهرٍ لم يصبه عظيمٌ من البلاء». وفي أثرٍ آخر: «عليكم بالشِّفاءين: العسل والقرآن»٢. فجمع بين الطِّبِّ البشريِّ والإلهيِّ، وبين طبِّ الأبدان وطبِّ الأرواح، وبين الدَّواء الأرضيِّ والدَّواء السَّمائيِّ٣.

إذا عُرِف هذا، فهذا الذي وصَف له النَّبيُّ ﷺ العسلَ كان استطلاقُ بطنه عن تُخَمةٍ أصابته عن امتلاءٍ، فأمره بشرب٤ العسل لدفع الفضول المجتمعة في نواحي المعدة والأمعاء، فإنَّ العسل فيه جِلاءٌ ودفعٌ للفضول. وكان قد أصاب المعدة أخلاطٌ لَزِجةٌ تمنع استقرار الغذاء فيها للزُوجتها، فإنَّ المعدة لها خَمْلٌ كخَمْل المِنشفة٥، فإذا علِقت بها الأخلاط اللَّزجة أفسدتها وأفسدت

  1. (١) ما بين الحاصرتين زيادة من «السنن». وقد زاده بعضهم في س فوق السطر.
  2. (٢) أخرجه ابن أبي شيبة (٢٤١٥٧، ٣٠٦٤٢)، والطَّبراني في «الأوسط» (٩٠٧٦)، والحاكم (٤/ ٢٠٠)، وأبو نعيم في «الطِّب النَّبوي» (٦٨٩، ٦٩٠)، من قول ابن مسعود ﵁. ويُروى عنه مرفوعًا عند ابن ماجه (٣٤٥٢)، والحاكم (٤/ ٢٠٠، ٤٠٣) وصحَّحه، قال الدَّارقطني في «العلل» (٥/ ٣٢٢) والبيهقي في «الشُّعب» (٤/ ١٧١) وفي «الكبرى» (٩/ ٥٧٩): «الصَّحيح وَقفُه»، وقال ابنُ كثير في «تفسيره» بعدما حسَّن إسنادَ المرفوع: «الموقوف أشبَهُ». وتنظر: «السِّلسلة الضَّعيفة» (١٥١٤).
  3. (٣) ز، س، ث: «السماوي».
  4. (٤) س: «أن يشرب».
  5. (٥) في طبعة الرسالة: «القطيفة» تبعًا للفقي.
44

الغذاءَ. فدواؤها بما يجلوها من تلك الأخلاط، والعسل جلاءٌ. والعسلُ من أحسن ما عولج به هذا الدَّاء لا سيَّما إن مُزج بالماء الحارِّ.

وفي تكرار سقيه العسل معنًى طبِّيٌّ بديعٌ، وهو أنَّ الدَّواء يجب أن يكون له مقدارٌ وكمِّيَّةٌ بحسب حال الدَّاء، إن قصر عنه لم يُزِلْه بالكلِّيَّة، وإن جاوزه أوهى القوى، فأحدث ضررًا آخر. فلمَّا أمرَه أن يسقيه العسل سقاه مقدارًا لا يفي بمقاومة الدَّاء ولا يبلغ الغرض، فلمَّا أخبره علِمَ أنَّ الذي سقاه لا يبلغ مقدار الحاجة. فلمَّا تكرَّر تردادُه إلى النَّبيِّ ﷺ أكَّد عليه المعاودةَ، ليصل إلى المقدار المقاوِم للدَّاء. فلمَّا تكرَّرت الشَّربات بحسب مادَّة الدَّاء برَأ بإذن اللَّه. واعتبارُ مقادير الأدوية وكيفيَّاتها ومقدار قوَّة المرض والمريض من أكبر قواعد الطِّبِّ.

وفي قوله ﷺ: «صدَق اللهُ وكذَب بطنُ أخيك» إشارةٌ إلى تحقيق نفع هذا الدَّواء، وأنَّ بقاء الدَّاء ليس لقصور الدَّواء في نفسه، ولكن لكذبِ البطن وكثرة المادَّة الفاسدة فيه؛ فأمرَه بتكرار الدَّواء لكثرة المادَّة.

وليس طبُّه ﷺ كطبِّ الأطبَّاء، فإنَّ طبَّ النَّبيِّ ﷺ متيقَّنٌ قطعيٌّ إلهيٌّ صادرٌ عن الوحي ومشكاة النُّبوَّة وكمال العقل، وطبُّ غيره أكثرُه حدسٌ وظنونٌ وتجارب. ولا يُنكَر عدمُ انتفاع كثيرٍ من المرضى بطبِّ النُّبوَّة، فإنَّه إنَّما ينتفع به من تلقَّاه بالقبول واعتقادِ الشِّفاء به، وكمالُ التَّلقِّي له بالإيمان والإذعان. فهذا القرآن الذي هو شفاءٌ لما في الصُّدور، إن لم يُتلقَّ هذا التَّلقِّي لم يحصل به شفاءُ الصُّدور من أدوائها١، بل لا يزيد المنافقين إلا رجسًا

  1. (١) ما عدا حط: «أدوائه»، ولعله سهو كان في الأصل، ذهب الخاطر إلى المريض.
45

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي