إلى رجسهم ومرضًا إلى مرضهم. وأين يقع طبُّ الأبدان منه؟ فطبُّ النُّبوَّة لا يناسب إلا الأبدان الطَّيِّبة، كما أنَّ شفاء القرآن لا يناسب إلا الأرواح الطَّيِّبة والقلوب الحيَّة. فإعراضُ النَّاس عن طبِّ النُّبوَّة كإعراضهم عن الاستشفاء بالقرآن الذي هو الشِّفاء النَّافع. وليس ذلك لقصورٍ في الدَّواء، ولكن لخبث الطَّبيعة وفساد المحلِّ وعدم قبوله. والله الموفِّق١.
فصل
وقد اختلف النَّاس في قوله تعالى: ﴿يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ﴾[النحل: ٦٩]: هل الضَّمير في٢﴿فِيهِ﴾ راجعٌ إلى الشَّراب أو راجعٌ إلى القرآن؟ على قولين. والصَّحيح رجوعه إلى الشَّراب، وهو قول ابن مسعودٍ٣ وابن عبَّاسٍ٤ والحسن٥ وقتادة٦ والأكثرين، فإنَّه هو المذكور، والكلام سيق لأجله، ولا ذكر للقرآن في الآية. وهذا الحديث الصَّحيح ــ وهو قوله: «صدق الله» ــ كالصَّريح فيه. والله أعلم.
(١) ز: «وبالله التوفيق».
(٢) «في» ساقط من ث، حط، ل، د.
(٣) أخرجه ابن أبي شيبة (٣٠٦٤٣)، وابن جرير في «تفسيره» (١٤/ ٢٩٠).
(٤) أخرجه ابن جرير في «تفسيره» (١٤/ ٢٩١).
(٥) ذكر القرطبيُّ في «تفسيره» (١٠/ ١٣٦) عن الحسن أنَّ الضَّمير للقرآن، فالله أعلم.
(٦) أخرجه ابن جرير في «تفسيره» (١٤/ ٢٩٠).
فصل
في هديه في الطَّاعون وعلاجه والاحتراز منه١
في «الصَّحيحين»٢ عن عامر بن سعد بن أبي وقَّاصٍ عن أبيه أنَّه سمعه يسأل أسامة بن زيدٍ: ماذا سمعتَ من رسول الله ﷺ في الطَّاعون؟ فقال أسامة: قال رسول الله ﷺ: «الطَّاعون رجزٌ أُرسِل على طائفةٍ من بني إسرائيل وعلى٣ من كان قبلكم، فإذا سمعتم به بأرضٍ فلا تدخلوا عليه، وإذا وقع بأرضٍ وأنتم بها فلا تخرجوا منها فرارًا منه».
وفي «الصَّحيحين»٤ أيضًا عن حفصة بنت سيرين قالت: قال أنس بن مالكٍ: قال رسول الله ﷺ: «الطَّاعون شهادةٌ لكلِّ مسلمٍ».
الطَّاعون من حيث اللُّغة نوعٌ من الوباء٥، قاله صاحب «الصِّحاح». وهو عند أهل الطِّبِّ: ورمٌ رديءٌ قتَّالٌ يخرج معه تلهُّبٌ٦ شديدٌ مؤلمٌ جدًّا يتجاوز المقدار في ذلك، ويصير ما حوله في الأكثر أسود أو أخضر أو كمِدًا٧، ويؤول
(١) هذا الفصل أيضًا معظمه مأخوذ من كتاب الحموي (ص ٧٩ - ٩٢).
(٢) البخاري (٣٤٧٣) ومسلم (٢٢١٨). واللفظ من كتاب الحموي (ص ٧٩).
(٣) كذا في جميع النسخ. وفي «الصحيحين» ومصدر النقل: «أو على».
(٤) البخاري (٢٨٣٠، ٥٧٣٢) ومسلم (١٩١٦).
(٥) كذا في جميع النسخ، والصواب كما في كتاب الحموي: «الموت من الوباء». وهذا هو الثابت في عدة نسخ خطية راجعتها من «الصحاح»، وفي المطبوع منه: «الموتُ الوحيُّ من الوباء» وكذا في «تهذيب الزنجاني».
(٦) كذا في جميع النسخ، ولعله سبق قلم وقع في الأصل. والصواب: «مع تلهُّبٍ» كما في مصدر النقل.