البدن مستعدًّا قابلًا رَبِلًا١ قليل الحرارة كثير الموادِّ، فهذا لا يكاد يفلت من العطب.
وأصحُّ الفصول فيه فصل الرَّبيع. قال أَبُقْراط٢: إنَّ في الخريف أشدَّ ما تكون الأمراضُ وأقتَل. وأمَّا الرَّبيع فأصحُّ الأوقات كلِّها وأقلُّها موتًا. وقد جرت عادة الصَّيادلة ومجهِّزي الموتى أنَّهم يستدينون ويتسلَّفون في الرَّبيع والصَّيف على فصل الخريف، فهو ربيعهم، وهم أشوَقُ شيءٍ إليه وأفرَح بقدومه!
وقد روي في حديث: «إذا طلع النَّجم ارتفعت العاهة عن كلِّ بلدٍ»٣.
(١) د: «رَهِلًا»، وهو مضطرب اللحم. وفي النسخ الأخرى جميعًا بالباء، إلا أن في س، ز بالواو قبل الباء. وفي ث، ل بالدال، وفي ن بالزاي. وكله تصحيف ما أثبت. والرَّبِل: كثير اللحم والشحم. واللفظ ساقط من حط. أما كتاب الحموي ففيه: «سيما في الأبدان الرطبة القليلة الحرارة».
(٢) انظر: «الحاوي» للرازي (٤/ ٤١٦). والمؤلف صادر عن كتاب الحموي إلى آخر الفصل كما سبق.
(٣) أخرجه أبو يوسف في «الآثار» (٩١٧)، ومحمد بن الحسن في «الآثار» (٩٠٧)، كلاهما عن الإمام أبي حنيفة عن عطاء عن أبي هريرة ﵁ به مرفوعًا، قال الخليليُّ في «الإرشاد» (١/ ٣١٩): «أبو حنيفة يتفرَّد به، ولا يتابَع عليه». وأخرجه أحمد (٨٤٩٥، ٩٠٣٩)، والبزَّار (٩٢٩٦)، والطَّحاوي في «مشكل الآثار» (٢٢٨٦، ٢٢٨٧)، والعقيلي في «الضُّعفاء» (٣/ ٤٢٦)، وغيرُهم من طريق عِسْل بن سفيان ــ وهو ضعيف ــ عن عطاء به نحوَه. وذكر الحافظ في «فتح الباري» (٤/ ٣٩٥) أن أبا داود رواه من طريق عطاء عن أبي هريرة، وتبعه السخاوي في «المقاصد الحسنة» (٨٨)، ولم أجد رواية أبي داود في مظانها. ويُروى موقوفًا. والحديث مخرَّج في «السِّلسلة الضَّعيفة» (٣٩٧). وفي الباب عن أبي سعيد الخدري ﵁. وينظر: «الرَّوض البسَّام بترتيب وتخريج فوائد تمَّام» (٢/ ٣٠٣ - ٣٠٥).
وفُسِّر بطلوع الثُّريَّا، وفُسِّر بطلوع النَّبات زمن الرَّبيع١. ومنه: ﴿وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ﴾[الرحمن: ٦]، فإنَّ كمال طلوعه وتمامه يكون في فصل الرَّبيع، وهو الفصل الذي ترتفع فيه الآفات.
وأمَّا الثُّريَّا فالأمراض تكثر وقت طلوعها مع الفجر وسقوطها. قال التميمي٢ في كتاب «مادَّة البقاء»٣: أشدُّ أوقات السَّنة فسادًا وأعظمها بليَّةً على الأجساد وقتان، أحدهما: وقت سقوط الثُّريَّا للمغيب عند طلوع الفجر. والثَّاني: وقت طلوعها من المشرق قبل طلوع الشَّمس على العالم بمنزلةٍ من منازل القمر، وهو وقت تصرُّم فصل الرَّبيع وانقضائه؛ غير أنَّ الفساد الكائن عند طلوعها أقلُّ ضررًا من الفساد الكائن عند سقوطها.
(١) لم أر من فسَّر بطلوع النبات غير الحموي في كتابه (ص ٩١) بل قال: «وزعم بعضهم أن المراد بالنجم الثريا» مع أنه هو القول المشهور عند شراح الحديث، وقال ابن عبد البر في «الاستذكار» (٦/ ٣٠٦): «والنجم: الثريا، لا خلاف في ذلك». وفي «فتح الباري» (٤/ ٣٩٥): «النجم هو الثريا وطلوعها صباحًا يقع في أول فصل الصيف، وذلك عند اشتداد الحر في بلاد الحجاز وابتداء نضج الثمار ...». وانظر: «معالم السنن» (٥/ ٤٣ - مع «مختصر المنذري») و«شرح صحيح البخاري» لابن بطال (٦/ ٣١٦).
(٢) «قال التميمي» ساقط من س.
(٣) اسمه الكامل: «مادة البقاء في إصلاح فساد الهواء والتحرز من ضرر الأوباء». ومؤلفه محمد بن أحمد بن سعيد الحكيم المقدسي ثم المصري أبو عبد الله التميمي. وقد صنفه للوزير أبي الفرج يعقوب بن كلس (ت ٣٨٠) بمصر. انظر: نشرته الصادرة عن معهد المخطوطات بتحقيق يحيى شعار (ص ١٢٥).