وقال أبو محمَّد بن قتيبة١: يقال: ما طلعت الثُّريَّا ولا ناءت إلا بعاهةٍ في النَّاس والإبل، وغروبُها أعوَهُ من طلوعها٢.
وفي الحديث قولٌ ثالثٌ٣ ــ ولعلَّه أولى الأقوال به ــ أنَّ المراد بالنَّجم: الثُّريَّا، وبالعاهة: الآفة الَّتي تلحق الزُّروع والثِّمار في فصل الشِّتاء وصدر فصل الرَّبيع، فحصل الأمن عليها٤ عند طلوع الثُّريَّا في الوقت المذكور. ولذلك نهى النبي ﷺ عن بيع الثَّمرة وشرائها قبل أن يبدو صلاحها٥.
والمقصود: الكلام على هديه ﷺ عند وقوع الطَّاعون.
فصل
وقد جمع النَّبيُّ ﷺ للأمَّة في نهيه عن الدُّخول إلى الأرض الَّتي هو بها، ونهيه عن الخروج منها بعد وقوعه= كمالَ التَّحرُّز منه، فإنَّ في الدُّخول في الأرض الَّتي هو بها تعرُّض٦ للبلاء، وموافاة له في محلِّ سلطانه، وإعانة
(١) في «كتاب الأنواء» (ص ٣١). ثم قال: «وأما قول رسول الله ﷺ: «إذا طلع النجم لم يبق في الأرض من العاهة شيء إلا رُفِع» فإنه أراد بذلك عاهة الثمار، لأنها تطلع بالحجاز وقد أزهى البسر وأمنت عليه العاهة، وحلَّ ينع النخل».
(٢) النص في «كتاب الأنواء»: «وغربها أعيَهُ من شرقها»، والمصنف صادر عن كتاب الحموي. وعاه يعيهُ ويعُوه يائي وواوي، والواوي أكثر.
(٣) قال الحموي: «ويجوز أن يكون المراد بالنجم الثريا ...» إلخ. وهو قول ابن قتيبة. وهو الذي ذكره شراح الحديث كما سبق.
(٤) «عليها» ساقط من ز.
(٥) انظر حديث ابن عمر في «صحيح البخاري» (١٤٨٦) وحديث أنس فيه (٢١٩٧) وفي «صحيح مسلم» (١٥٥٥).
(٦) حط: «تعرضًا»، وكذا في النسخ المطبوعة.
الإنسان١ على نفسه. وهذا مخالفٌ للشَّرع والعقل، بل تجنبُه الدُّخولَ إلى أرضه من باب الحِمْية الَّتي أرشد الله سبحانه إليها، وهي حميةٌ عن الأمكنة والأهوية المؤذية.
وأمَّا نهيه عن الخروج من بلده، ففيه معنيان:
أحدهما: حمل النُّفوس على الثِّقةِ باللَّه، والتَّوكُّلِ عليه، والصَّبرِ على أقضيته والرِّضا بها.
والثَّاني: ما قاله أئمَّة الطِّبِّ: أنَّه يجب على كلِّ محترزٍ من الوباء أن يُخرج عن بدنه الرُّطوبات الفَضْليَّة، ويقلِّل الغذاء، ويميل إلى التَّدبير المجفِّف٢ من كلِّ وجهٍ، إلا الرِّياضة والحمَّام فإنَّهما ممَّا يجب أن يحذر، لأنَّ البدن لا يخلو غالبًا من فضلٍ رديٍّ كامنٍ فيه، فتثيره الرِّياضة والحمَّام ويخلطانه بالكَيموس٣ الجيِّد، وذلك يجلب علَّةً عظيمةً. بل يجب عند وقوع الطَّاعون السُّكون والدَّعة وتسكين هيجان الأخلاط. ولا يمكن الخروج من أرض الوباء والسَّفر منها إلا بحركةٍ شديدةٍ، وهي مضرَّةٌ جدًّا٤. هذا كلام أفضل الأطبَّاء المتأخِّرين٥. فظهر المعنى الطِّبِّيُّ من الحديث النَّبويِّ وما فيه من
(١) حط، ن: «للإنسان». وكذا في النسخ المطبوعة.
(٢) د: «المخفف»، تصحيف.
(٣) الكيموس هو الطعام إذا انهضم في المعدة قبل أن ينصرف عنها ويصير دمًا. انظر: «بحر الجواهر» (ص ٢٥١).
(٤) أضاف المؤلف إلى نصِّ الحموي: «شديدة» و«جدًّا».
(٥) يعني: ابن سينا. ومراجعة كتاب «القانون» (٣/ ٩٠) تدل على أن ما لخصه الحموي (ص ٨٧) من كلامه انتهى بقوله: «يجب أن يحذر». وما بعده شرح من الحموي لكلام ابن سينا وتفسير منه للحديث. وفي كتابه في أول الفقرة: «والثاني ما قاله ابن سينا» فغيَّره المؤلف إلى «ما قاله أئمة الطب»، ثم ظن أن ما بعده كله من كلام ابن سينا.