إحداهما خصبةٌ، والأخرى جدبةٌ؛ ألستَ إن رعيتَها الخصبة رعيتَها بقدر الله، وإن رعيتها الجَدْبةَ٢ رعيتها بقدر الله؟ قال: فجاء عبد الرَّحمن بن عوفٍ، وكان متغيِّبًا في بعض حاجته٣ فقال: إنَّ عندي في هذا علمًا سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: «إذا كان بأرضٍ وأنتم بها فلا تخرجوا فرارًا منه، وإذا سمعتم به بأرضٍ فلا تقدَموا عليه».
فصل
في هديه في داء الاستسقاء وعلاجه٤
في «الصَّحيحين»٥: من حديث أنس بن مالكٍ قال: قدِمَ رهطٌ من عُرَينة وعُكْلٍ على النَّبيِّ ﷺ، فاجتوَوا المدينةَ، فشكَوا ذلك إلى النَّبيِّ ﷺ فقال: «لو خرجتم إلى إبل الصَّدقة، فشربتم من ألبانها وأبوالها»، ففعلوا. فلمَّا صحُّوا عمَدوا إلى الرُّعاة، فقتلوهم، واستاقوا الإبل، وحاربوا الله ورسوله. فبعث رسولُ الله ﷺ في آثارهم، فأُخِذُوا، فقطَع أيديهم وأرجلَهم، وسمَل أعينهم، وألقاهم في الشَّمس حتَّى ماتوا.
والدَّليل على أنَّ هذا المرض كان الاستسقاء: ما رواه مسلم في
(١) أي جانبان ..
(٢) قوله: «رعيتها الخصبة» و«رعيتها الجدبة» لفظ الحموي. انظر: مخطوطة كتابه (١٥/ب). ورواية الصحيح: «رعيت الخصبة» و«رعيت الجدبة».
(٣) ن: «حاجاته»، وكذا في النسخ المطبوعة.
(٤) هذا الفصل أيضًا إلى آخر كلام ابن سينا مأخوذ من كتاب الحموي (ص ٩٣ - ٩٦).
(٥) البخاري (٢٣٣) ومسلم (١٦٧١).
«صحيحه»١ في هذا الحديث أنَّهم قالوا: «إنَّا اجتوينا المدينة، فعظُمَتْ بطونُنا، وارتهَشَتْ أعضاؤنا٢». وذكَر تمام الحديث.
والجوى: داءٌ من أدواء الجوف٣. والاستسقاء: مرضٌ مادِّيٌّ، سببه مادَّةٌ غريبةٌ باردةٌ تتخلَّل الأعضاءَ، فتربو لها إمَّا الأعضاء الظَّاهرة كلُّها، وإمَّا المواضع الخالية من النَّواحي الَّتي فيها تدبير الغذاء والأخلاط. وأقسامه ثلاثةٌ: لحميٌّ ــ وهو أصعبها ــ، وزِقِّيٌّ، وطَبْليٌّ. ولمَّا كانت الأدوية المحتاج إليها في علاجه هي الأدوية الجالية٤ الَّتي فيها إطلاقٌ معتدلٌ وإدرارٌ بحسب
(١) لم يرد هذا اللفظ في «صحيح مسلم». وإنما قال الحموي في آخر الحديث السابق: «أخرجه مسلم»، ثم بعد الفقرة الآتية قال: «والدليل ... الاستسقاء ما جاء في الحديث من طريق آخر»، فظن المؤلف أنه يقصد: من طريق آخر في «صحيح مسلم». واللفظ المذكور أخرجه أبو عوانة (٦٠٩٦) وأحمد (١٤٠٨٦) وأبو يعلى (٢٨٨٢) وأبو نعيم في «الطب النبوي» (١/ ٤١٦ - ط دار ابن حزم) والبيهقي في «الكبرى» (١٠/ ٤، ٨/ ١٦٢)، وإسناده صحيح.
(٢) كذا في جميع النسخ وفي بعض نسخ «مسند أحمد» وغيره. وفي «المستخرج»: «أعضادنا»، وكذا في «المسند» (١٤٠٨٦) و«الطب النبوي» لأبي نعيم: «وانتهشت أعضادنا». وفي «السنن الكبرى» (١٠/ ٤): «وارتهست أعضادنا» بالسين المهملة، وكلاهما صحيح والمعنى: اضطربت. انظر: «النهاية في غريب الحديث» (٢/ ٢٨٢). وفي اللفظ روايات أخرى.
(٣) اقتضب المؤلف كلام الحموي في تفسير «اجتوينا» في الحديث.
(٤) من الجلاء. والدواء الجالي: الذي يحرِّك الرطوبات اللزجة والجامدة عن فوهات المسامِّ في سطح العضو حتى يبعدها عنه. «حقائق أسرار الطب» للسجزي (ص ١٩٢). وفي النسخ المطبوعة: «الجالبة»، تصحيف.