وفي حديثٍ آخر: «عليكم بالحِجامة في جَوزة القَمَحْدُوَة، فإنَّها شفاءٌ من اثنين وسبعين داءً»١.
فطائفةٌ منهم استحبَّتْه٢ وقالت: إنَّها تنفع من جحَظ العين والنُّتوء العارض فيها وكثيرٍ من أمراضها، ومن ثقل الحاجبين والجفن، وتنفع من جَرَبه٣.
وروي أنَّ أحمد بن حنبلٍ احتاج إليها، فاحتجم في جانبي قفاه، ولم يحتجم في النُّقْرة٤.
وممَّن كرهها: صاحب «القانون»، وقال: إنَّها تُورث النِّسيان حقًّا، كما قال سيِّدنا ومولانا وصاحب شريعتنا محمَّدٌ ﷺ٥، فإنَّ مؤخَّر الدِّماغ
(١) هو جزءٌ من الحديث السَّابق، فسياقه بتمامه: «عليكم بالحجامةِ في جوزة القَمَحدُوَة فإنَّه دواءٌ من اثنين وسبعين داءً، وخمسة أدواء: منَ الجنون، والجذام، والبرَص، ووجع الأضراس». وهذا يدل على أن المؤلف لم يصدر عن كتاب أبي نعيم، فإنه أورد الحديث بتمامه.
(٢) ث، ل: «استحسنته».
(٣) في كتاب الحموي (ص ١٧٠) زيادة: «ومن البثور». وهذه الفوائد ذكرها صاحب «القانون» (١/ ٣٠٠).
(٤) ذكر هذه الرواية صاحب «الآداب الشرعية» (٣/ ٨٨) ولكن مصدره كتابنا هذا كما يظهر من سياقه.
(٥) حديث: «الحجامة في نقرة الرَّأس تورث النِّسيان» أخرجه الدَّيلميُّ (٢٧٨٠) عن أنس ﵁، وهو خبر باطل لا يصحُّ؛ في سنده راوٍ متَّهم بالوضع. ينظر: «المنار المنيف» (٨٧)، و«المقاصد الحسنة» (٣٨٨)، و«الغمَّاز على اللَّمَّاز» (٩٣)، و«تذكرة الموضوعات» (ص ٢٠٧)، و«الأسرار المرفوعة» (١٦٨)، و«الفوائد المجموعة» (١٦٦).
موضع الحفظ، والحجامةُ تُذْهِبُه١. انتهى كلامه.
وردَّ عليه آخرون، وقالوا٢: الحديث لا يثبت. وإن ثبَت فالحجامة إنَّما تُضْعِف مؤخَّر الدِّماغ إذا استُعملت لغير ضرورةٍ. فأمَّا إذا استُعملت لغلبة الدَّم عليه، فإنَّها نافعةٌ له طبًّا وشرعًا. فقد ثبت عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه احتجم في عدَّة أماكن من قفاه بحسب ما اقتضاه الحال في ذلك، واحتجم في غير القفا بحسب ما دعت إليه حاجته.
فصل٣
والحجامة تحت الذَّقَن تنفع من وجع الأسنان والوجه والحلقوم إذا استُعملت في وقتها، وتنقِّي الرَّأس والفكَّين.
والحجامة على ظهر القدم تنوب عن فَصْد الصَّافِن ــ وهو عرقٌ عظيمٌ عند الكعب ــ وتنفع من قروح الفخذين والسَّاقين، وانقطاع الطَّمث، والحِكَّة العارضة في الأنثيين.
والحجامة على أسفل الصَّدر٤ نافعةٌ من دماميل الفخذ وجرَبه وبثوره،
(١) الوارد في المطبوع من «القانون» (١/ ٢١٢ - بولاق): «تورث النسيان حقًّا كما قيل، فإنَّ مؤخر الدماغ موضع الحفظ، وتضعفه الحجامة». وهذا أشبه فإني لم أر ابن سينا يشير في كتابه إلى حديث أو أثر. ولكن الحموي نقل هكذا كما أورد المؤلف عنه. والأمر بحاجة إلى مراجعة نسخ «القانون».
(٢) وهو قول الحموي. والأمر في كتابه ليس كما صوَّره المؤلف أخذًا من كلامه، من الخلاف والحجاج بين طائفتين.
(٣) كتاب الحموي (ص ١٧١ - ١٧٢).
(٤) في مصدر النقل: «على القَطَن والساقين»، وفي «القانون» (١/ ٣٠٠): «على القطَن» فقط. والقطَن: أسفل الظهر. ولعل المؤلف قرأ: «على البطن» في نسخة كتاب الحموي التي بين يديه، فغيَّره إلى «أسفل الصدر»!