زاد المعاد

الأرض كلَّهم مؤمنهم وكافرهم. أما المؤمنون١ فنالوا النصيب الأوفر من الرحمة. وأما الكفار، فأهل الكتاب منهم عاشوا في ظلِّه وتحت حبله وعهده، وأما من قتله منهم هو وأمته فإنه٢ عجَّلوا به إلى النار، وأراحوه من الحياة الطويلة التي لا يزداد بها إلا شدَّةَ العذاب في الآخرة.

وأما الفاتح، فهو الذي فتح الله به بابَ الهدى بعد أن كان مُرْتَجًا، وفتحَ به الأعينَ العُمْيَ والآذانَ الصُّمَّ والقلوبَ الغُلْفَ، وفتح به أمصارَ الكفر، وفتح به أبوابَ الجنة، وفتح به طرقَ العلم النافع والعمل الصالح= ففتح به الدنيا والآخرة، والقلوب والأسماع والأبصار، والأمصار.

وأما الأمين، فهو أحقُّ العالمين بهذا الاسم، فهو أمين الله على وحيه ودينه، وهو أمين من في السماء، وأمين من في الأرض. ولهذا كانوا يسمُّونه قبل النبوة «الأمين».

وأما الضحوك القتَّال، فاسمان مزدوجان لا ينفرد أحدُهما عن الآخر، فإنه ضحوك في وجوه المؤمنين غير عابس ولا مقطِّب ولا غضوب ولا فظٍّ، قتَّال لأعداء الله لا تأخذه فيهم لومة لائم.

وأما البشير، فهو المبشِّر لمن أطاعه بالثواب، والنذير المنذر لمن عصاه بالعقاب.

وقد سمَّاه الله «عبده» في كتابه في مواضع، منها قوله: ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ﴾ [الجن: ١٩]، وقوله: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ﴾ [الفرقان: ١]،

  1. (١) ص: «المؤمنين».
  2. (٢) يعني الذي قتلوه. وفي ن: «فإنهم».
84

﴿فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى﴾ [النجم: ١٠]، ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا﴾ [البقرة: ٢٣].

وثبت عنه في «الصحيح»١ أنه قال: «أنا سيد ولد آدم» ﷺ.

وسمَّاه الله ﴿سِرَاجًا مُنِيرًا﴾ [الأحزاب: ٤٦]، وسمَّى الشمس ﴿سِرَاجًا وَهَّاجًا﴾ [النبأ: ١٣]، والمنير: هو الذي يُنِير من غير إحراق، بخلاف «الوهَّاج» فإنَّ فيه نوع إحراق وتوهُّج.

فصل

في ذكر الهجرة٢ الأولى والثانية

لما كثر المسلمون وخاف منهم الكفار اشتدَّ أذاهم لهم وفتنتهم إياهم، فأذِن لهم رسولُ الله ﷺ في الهجرة إلى الحبشة، وقال: «إنَّ بها مَلِكًا لا يُظلَم الناسُ عنده»٣. فهاجر من المسلمين اثنا عشر رجلًا وأربع نسوة، منهم عثمان بن عفان، وهو أول من خرج، ومعه زوجته رقية؛ فأقاموا بالحبشة في

  1. (١) مسلم (٢٢٧٨) من حديث أبي هريرة ﵁.
  2. (٢) ك، ع، مب، ن: «الهجرتين»، وأثبت ما في غيرها لموافقته لأسلوب المؤلف كقوله في «أعلام الموقعين» (٤/ ٥): «فمثال القسم الأول والثاني»، وفيه (٢/ ٣٧٤): «بالمرة الأولى والثانية»، وفيه (٤/ ٤٢٧): «فالصورة الأولى والثانية». وفي «التبيان» (ص ٣٥١): «الشرط الأول والثاني». وفي «بدائع الفوائد» (٤/ ١٥٦٤): «للنبي الأول والثاني». وفي «مفتاح دار السعادة» (٣/ ١١٨١): «القدر الأول والثاني».
  3. (٣) رواه ابن إسحاق في «السيرة» (ص ١٩٤ - ط. محمد حميد الله) من حديث أم سلمة. وانظر: «سيرة ابن هشام» (١/ ٣٢١).
85

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي