وتُكرَه عندهم الحجامة على الشِّبَع، فإنِّها ربَّما أورثت سُدَدًا وأمراضًا رديَّةً، لا سيَّما إذا كان الغذاء رديًّا غليظًا. وفي أثرٍ: «الحجامة على الرِّيق دواءٌ وعلى الشِّبع داءٌ، وفي سبعة عشر من الشَّهر شفاءٌ»١.
واختيار هذه الأوقات للحجامة فيما إذا كانت على سبيل الاحتياط والتَّحرُّز من الأذى وحفظًا للصِّحَّة. وأمَّا في مداواة الأمراض فحيثما وُجِد الاحتياجُ إليها وجَب استعمالُها. وفي قوله: «لا يتبيَّغ٢ بأحدكم الدَّم فيقتله» دلالةٌ على ذلك يعني: لئلَّا يتبيَّغَ، فحُذِف حرف الجرِّ مع (أن)، ثمَّ حُذفت (أن)٣. والتَّبيُّغ: الهَيْج. وهو مقلوب البغي، وهو بمعناه فإنَّه بغي الدَّم وهيجانه. وقد تقدَّم أنَّ الإمام أحمد كان يحتجم أيَّ وقتٍ احتاج من الشَّهر.
فصل٤
وأمَّا اختيار أيَّام الأسبوع للحجامة، فقال الخلال في «جامعه»: أخبرنا حرب بن إسماعيل قال: قلت لأحمد: تُكرَه الحِجامةُ في شيءٍ من الأيَّام؟ قال: قد جاء في الأربعاء والسَّبت.
(١) أخرجه الدَّيلميُّ (٢/ق ٩٩ - زهرة الفردوس) من حديث أنس ﵁ مرفوعًا بإسنادٍ تالف. والنقل من كتاب الحموي (ص ١٧٣).
(٢) هكذا في ث، حط، ل، ن. وفي غيرها: «ولا يتبيَّغ».
(٣) لفظ الحموي: «والدليل عليه قوله لهم: «لا يتبيَّغْ بأحدكم الدم فيقتله»، فلفظة لا هنا بمعنى لئلا، فيخلص المعنى للاستقبال». وتفسيره هذا تفسير معنًى، لا تفسير إعراب كما ظن المؤلف، ثم شرحه بأن لام الجر مع (أن) حذفتْ ثم حذفت (أن)، وهذا عجيب من مثله.
(٤) كتاب الحموي (ص ١٧٧ - ١٧٩).
وفيه عن الحسين بن حسان أنَّه سأل أبا عبد الله عن الحجامة: أيَّ يومٍ تُكرَه؟ فقال: يوم السَّبت ويوم الأربعاء، ويقولون: يوم الجمعة.
وروى الخلَّال عن أبي سلمة وسعيد المَقْبُري عن أبي هريرة مرفوعًا: «من احتجم يوم الأربعاء ويوم السَّبت، فأصابه بياضٌ أو برصٌ، فلا يلومنَّ إلا نفسَه»١.
وقال الخلال: أخبرني محمد بن علي بن جعفر أنَّ يعقوب بن بَخْتان حدَّثهم قال: سئل أحمد عن النُّورة والحِجامة يوم السَّبت ويوم الأربعاء، فكرهها، وقال: بلغني عن رجلٍ أنَّه تنوَّر واحتجَم ــ يعني: في يوم الأربعاء ــ فأصابه البرص. قلت له: كأنَّه تهاوَن بالحديث؟ قال: نعم.
وفي كتاب «الأفراد» للدَّارقطنيِّ٢ من حديث نافع قال: قال لي
(١) أخرجه ابن عديٍّ في «الكامل» (٥/ ٢٠٤) من طريق ابن سمعان، عن الزُّهري، عن أبي سلمة وسعيد ــ غير منسوب ــ به، وابن سمعان متَّهم. وأخرجه البزَّار (٧٨٠٠، ٧٨٠٧) والبيهقي في «الكبرى» (٩/ ٣٤٠) من طريق سُليمان بن أرقم، عن الزُّهرِيِّ، عن سَعيد بن المسيَّب، عن أبي هريرة ﵁، قال البزَّار: «سليمان ليِّن الحديث، وإنَّما أتى منه، ورواه غيره عن الزُّهرِي مرسلًا». وأخرجه الحاكم (٤/ ٤٠٩) من طريق سليمان بن أرقم، عن السُّدِّي ــ كذا ــ، عن ابن المسيَّب به، قال الذَّهبي: «سليمان متروك». وأخرج المرسَلَ أبو داود في «المراسيل» (٤٥١) وقال: «وقد أُسنِد ولم يصحَّ». ورجَّح إرسالَه الدَّارقطنيُّ في «العلل» (١٨١٢)، والبيهقيُّ، وغيرهما. والحديث ضعَّفه النَّووي في «المجموع» (٩/ ٦٢)، وابن مفلح في «الآداب الشَّرعيَّة» (٣/ ٧٥)، وغيرهما، وهو في «السلسلة الضعيفة» (١٥٢٤).
(٢) ينظر: «أطراف الغرائب والأفراد» (٣٣٨٧)، وقد أخرجه هو والبزَّار ــ مختصرًا ــ (٥٩٦٨) من طريق زياد بن يحيى، عن عذال بن محمَّد، عن محمَّد بن جحادة، عن نافع به. وأخرجه ابن ماجه (٣٤٨٧، ٣٤٨٨) من طريق الحسن بن أبي جعفر، عن ابن جحادة، ومن طريق سعيد بن ميمون، عن نافع به نحوه. قال ابن حجر في «الفتح» (١٠/ ١٤٩): «أخرجه ابن ماجه من طريقين ضعيفين، وله طريق ثالثة ضعيفة أيضًا عند الدَّارقطني في الأفراد، وأخرجه بسندٍ جيِّد عن ابن عمر موقوفًا». وله طرقٌ أخرى لا تخلو من ضعفٍ، وقد أنكره غير واحدٍ من الأئمَّة، وقوَّاه الألبانيُّ في «السِّلسلة الصَّحيحة» (٧٦٦). وينظر: «المطالب العالية» (١١/ ٢٥٣ - ٢٥٧ ــ نشرة الشّثريِّ).