وقد تقدَّم الحديث المتَّفق عليه، وفيه: «وما أحبُّ أن أكتوي». وفي لفظٍ آخر: «وأنا أنهى أمَّتي عن الكيِّ».
وفي «جامع الترمذي»١ وغيره عن عمران بن حُصَينٍ أنَّ النَّبيَّ ﷺ نهى عن الكيِّ. قال: فابتُلِينا، فاكتوينا، فما أفلحنا ولا أنجحنا. وفي لفظٍ: «نُهينا عن الكيِّ»، وقال: «فما أفلحن ولا أنجحن»٢.
قال الخطابي٣: إنَّما كوى سعدا ليرقأ الدَّم من جُرحه، وخاف عليه أن يُنزَف، فيهلك. والكيُّ مستعملٌ٤ في هذا الباب كما يكوى من تُقطَع يدُه أو رجلُه. وأمَّا النَّهي عن الكيِّ فهو أن يكتوي طلبًا للشِّفاء. وكانوا يعتقدون أنَّه
(١) برقم (٢٠٤٩). وأخرجه أيضًا أبو داود (٣٨٦٥)، والنَّسائي في «الكبرى» (٧٦٠٢)، وابن ماجه (٣٤٩٠)، وأحمد (١٩٨٣١، ١٩٨٦٤، ١٩٩٨٩، ٢٠٠٠٤). قال التِّرمذي: «هذا حديث حسن صحيح»، وصحَّحه ابن حبَّان (٦٠٨١)، والحاكم (٤/ ٢١٣، ٤١٧)، وابن عبد البر في «الاستذكار» (٨/ ٤١٦)، وصحَّح إسناد أبي داود النَّوويُّ في «المجموع» (٩/ ٦٣)، وحسَّنه ابن مفلح في «الآداب الشَّرعيَّة» (٣/ ٨٩)، وقال ابن حجر في «الفتح» (١٠/ ١٥٥): «سنده قويٌّ».
(٢) يعني: الكيَّات.
(٣) في «معالم السنن» (٤/ ٢١٩). والنقل من كتاب الحموي (ص ١٠٨) وفيه تصرُّف وزيادة لا أدري أمن الحموي أم من مصدره الناقل من «المعالم».
(٤) ز: «يستعمل».
متى لم يكتوِ هلَكَ، فنهاهم عنه لأجل هذه النِّيَّة. وقيل: إنَّما نهى عنه١ عمرانَ بن حُصَينٍ خاصَّةً، لأنَّه كان به ناصورٌ٢، وكان موضعه خطرًا، فنهاه عن كيِّه. فيشبه أن يكون النَّهي منصرفًا إلى الموضع المخوف منه. والله٣ أعلم.
وقال ابن قتيبة٤: الكيُّ جنسان: كيُّ الصَّحيح لئلَّا يعتلَّ. فهذا الذي قيل فيه: «لم يتوكَّل مَن اكتوى»، لأنَّه يريد أن يدفع القدر عن نفسه. والثَّاني: كيُّ الجُرح إذا نَغِل، والعضوِ إذا قُطِع؛ ففي هذا الشِّفاءُ. وأمَّا إذا كان الكيُّ للتَّداوي الذي يجوز أن ينجح، ويجوز أن لا ينجح؛ فإنَّه إلى الكراهة أقرب. انتهى٥.
وثبت في الصَّحيح من حديث السَّبعين ألفًا الذين يدخلون الجنَّة بغير حسابٍ: أنَّهم «الَّذين لا يسترقُون، ولا يكتوون، ولا يتطيَّرون، وعلى ربِّهم
(١) «عنه» ساقط من د.
(٢) أخرج أبو داود (٩٥٢)، وابن ماجه (١٢٢٣)، وأحمد (١٩٨١٩)، عن عمران ﵁ قال: كان بي النَّاصور، فسألتُ النَّبيَّ ﷺ فقال: «صلِّ قائمًا ...» الحديث. وصحَّحه ابن الجارود (٢٣١)، وابن خزيمة (٩٧٩، ١٢٥٠)، والحاكم (١/ ٣١٤). وهو في البخاريِّ (١١١٥، ١١١٦، ١١١٧) بلفظ: «وكان مَبسورًا»، ولفظ: «كانت بي بواسير».
(٣) ز، س، ن: «فالله».
(٤) في «تأويل مختلف الحديث» (ص ٤٦٢ - ٤٦٤). والنقل عن الحموي (ص ١٠٥ - ١٠٦).
(٥) قول المؤلف: «انتهى» يفيد أن هذا كله من كلام ابن قتيبة، ولكن قوله: «وأما إذا كان الكيُّ ... أقرب» لم يرد في كتابه، فأخشى أن يكون من كلام الحموي، وقد انتهى النقل عن ابن قتيبة ملخَّصًا بقوله: «ففي هذا الشفاء».