فقد تضمَّنت أحاديث الكيِّ أربعة أنواعٍ. أحدها: فعله. والثَّاني: عدم محبَّته له. والثَّالث: الثَّناء على من تركه. والرَّابع: النَّهي عنه. ولا تعارض بينها بحمد الله، فإنَّ فعله يدلُّ على جوازه، وعدم محبَّته له لا يدلُّ على المنع منه. وأمَّا الثَّناء على تاركيه٢ فيدلُّ على أنَّ تركه أولى وأفضل. وأمَّا النَّهي عنه فعلى سبيل الاختيار والكراهة، أو عن النَّوع الذي لا يَحتاج إليه بل يفعله خوفًا من حدوث الدَّاء. والله أعلم.
فصل
في هديه ﷺ في علاج الصَّرع
أخرجا في «الصَّحيحين»٣ من حديث عطاء بن أبي رباحٍ قال: قال ابن عبَّاسٍ: ألا أُريك امرأةً من أهل الجنَّة؟ قلت: بلى. قال: هذه المرأة السَّوداء، أتت النَّبيَّ ﷺ فقالت: إنِّي أُصْرَع، وإنِّي أنكشِفُ٤، فادعُ الله لي. فقال: «إن شئتِ صبرتِ ولكِ الجنَّة، وإن شئتِ دعوتُ الله لكِ أن يعافيكِ». فقالت: أصبِرُ. قالت: فإنِّي أنكشِفُ، فادعُ الله أن لا أنكشِفَ. فدعا لها.
(١) أخرجه البخاري (٥٧٠٥) ومسلم (٣٧٤) من حديث ابن عباس ﵄.
(٢) ث، ل: «تاركه»، وكذا في النسخ المطبوعة.
(٣) البخاري (٥٦٥٢) ومسلم (٢٥٧٦). والنقل من كتاب الحموي (ص ٩٨).
(٤) هكذا في ف، د ومخطوطة كتاب الحموي (١٩/ب) في المواضع الثلاثة. والدليل على عدم تصحيفه فيها قوله: «وكانت المرأة المذكورة تجد من ألم المرض المذكور المشقة والانكشاف» (٢٠/أ). وفي س، ث، حط: «أتكشف» كما في «الصحيحين». وفي سائر النسخ أهمل ثانيه.
قلت: الصَّرع صرعان: صرعٌ من الأرواح الخبيثة الأرضيَّة، وصرعٌ من الأخلاط الرَّديَّة. والثَّاني: هو الذي يتكلَّم فيه الأطبَّاء وفي سببه وعلاجه.
وأمَّا صرع الأرواح، فأئمَّتهم وعقلاؤهم يعترفون به ولا يدفعونه، ويعترفون بأنَّ علاجه بمقابلة الأرواح الخيِّرة الشَّريفة١ العلويَّة لتلك الأرواح الشِّرِّيرة الخبيثة، فتدفع آثارَها، وتعارض أفعالَها وتُبطِلها. وقد نصَّ على ذلك بُقْراط٢ في بعض كتبه، فذكر بعض علاج الصَّرع وقال: هذا إنَّما ينفع في٣ الصَّرع الذي سببه الأخلاط والمادَّة. وأمَّا الصَّرع الذي يكون من الأرواح فلا ينفع فيه هذا العلاج٤.
وأمَّا جهلة الأطبَّاء وسَقَطهم وسَفِلتهم ومن يعتدُّ٥ بالزَّندقة فضيلةً، فأولئك ينكرون صرع الأرواح، ولا يقرُّون بأنَّها تؤثِّر في بدن المصروع. وليس معهم إلا الجهل، وإلَّا فليس في الصِّناعة الطِّبِّيَّة ما يدفع ذلك. والحسُّ والوجود شاهدٌ به. وإحالتهم ذلك على غلبة بعض الأخلاط هو٦ صادقٌ في بعض أقسامه لا في كلِّها٧.
(١) ن: «الشريفة الخيرة».
(٢) س، ث، حط، ل: «أبقراط».
(٣) د، ن: «من».
(٤) انظر: «الرَّدّ على المنطقيين» (٤٧١)، و«مجموع الفتاوى» (١٩/ ٣٢).
(٥) ز، ث، ل: «تعبَّد». وفي النسخ المطبوعة: «يعتقد».