وبالجملة، فهذا النَّوع من الصَّرع وعلاجه لا ينكره إلا قليلُ الحظِّ٢ من العلم والعقل والمعرفة. وأكثر تسلُّط الأرواح الخبيثة على أهله يكون من جهة قلَّة دينهم، وخراب قلوبهم وألسنتهم من حقائق الذِّكر والتَّعاويذ والتَّحصُّنات النَّبويَّة والإيمانيَّة، فتلقى الرُّوحُ الخبيثةُ الرَّجلَ أعزلَ لا سلاح معه، وربَّما كان عريانًا، فتؤثِّر فيه.
هذا٣، ولو كُشِف الغطاء لرأيت أكثر النُّفوس البشريَّة صرعى مع هذه الأرواح الخبيثة. وهي في أسرها وقبضتها٤، تسوقها حيث شاءت، ولا يمكنها الامتناع عنها ولا مخالفتها. وبها الصَّرع الأعظم الذي لا يفيق صاحبه إلا عند المفارقة والمعاينة٥، فهناك يتحقَّق أنَّه كان هو المصروع حقيقةً. وباللَّه المستعان٦.
وعلاج هذا الصَّرع باقتران العقل الصَّحيح إلى الإيمان بما جاءت به الرُّسل، وأن تكون الجنَّة والنَّار نُصْبَ عينيه وقبلةَ قلبِه، ويستحضر أهلَ الدُّنيا
(١) في ث، ل، ن: «بها»، وهو تصحيف. ولإصلاح السياق أثبت الفقي «بكثرة قراءتها المصروعَ» وتابعتها طبعة الرسالة.
(٢) س: «هذا النوع ... القليل الحظ».
(٣) في النسخ المطبوعة جعل «هذا» مع الفقرة السابقة، وذكّر الفعل «يؤثر» من أجله، فانحرف الكلام عن وجهه.
(٤) ف، د، حط، ن: «قبضها».
(٥) ف، د، س: «المعاتبة»، تصحيف.
(٦) س، ث، ل: «التوفيق».
وحلولَ المَثُلات١ والآفات بهم ووقوعَها خلال ديارهم كمواقع القَطْر، وهم صرعى لا يفيقون. وما أشدَّ إعداءَ٢ هذا الصَّرع! ولكن لمَّا عمَّت٣ البليَّة به بحيث لا يرى إلا مصروعًا لم يصر مستغربًا ولا مستنكرًا، بل صار لكثرة المصروعين المستنكَر المستغرَب خلافه.
فإذا أراد الله بعبد خيرًا أفاق من هذه الصَّرعة، ونظَر إلى أبناء الدُّنيا مطرَّحين٤ حوله يمينًا وشمالًا، على اختلاف طبقاتهم. فمنهم من قد أطبق به الجنونُ، ومنهم من يفيق أحيانًا قليلةً ويعود إلى جنونه، ومنهم من يُجَنُّ مرَّةً ويُفيق أخرى؛ فإذا أفاق عمِلَ عملَ أهل الإفاقة والعقل، ثمَّ يعاوده الصَّرع، فيقع التخبيط٥.
فصل٦
وأمَّا صَرْع الأخلاط، فهو علَّةٌ تمنع الأعضاء النفيسة٧ عن الأفعال
(١) س: «التلاف».
(٢) هكذا ضبط في ث من أعداه المرضُ. وقد غيَّره الفقي إلى «داء» وتابعته نشرة الرسالة.
(٣) ث: «دلت»، وفي ل: «دعت»، ولعل كليهما تحريف.
(٤) ويجوز: «مطَّرَحين». وفي النسخ المطبوعة: «مصروعين».
(٥) هكذا في جميع النسخ. وفي ن غيَّره بعضهم إلى «التخبُّط»، وكذا في الطبعة الهندية وغيرها.
(٦) كتاب الحموي (ص ٩٨ - ٩٩).
(٧) تقابله الأعضاء الخسيسة. انظر: «الحاوي» (٤/ ١٠، ٥٢٨)، (٧/ ٤٢٠). وفي ث، ل، ن: «النفسية»، وكذا في النسخ المطبوعة وفي كتاب الحموي (ص ٩٨) ومصدره «القانون» (٢/ ١١٨)، ولعله تصحيف.